منذ 1 ساعة 0 67 0
سمية مدغري علوي تكتب.. موكب الشموع بسلا: لوحة تراثية تضيء ذكرى المولد النبوي
سمية مدغري علوي تكتب.. موكب الشموع بسلا: لوحة تراثية تضيء ذكرى المولد النبوي

تعتبر مدينة سلا العريقة بالمملكة المغربية وجهة بارزة تتقاطع فيها نفحات الإيمان وعراقة التاريخ، خصوصاً مع إطلالة ذكرى المولد النبوي الشريف التي تحتضن فيها المدينة كل سنة احتفالات استثنائية فريدة من نوعها يتصدرها موكب الشموع؛ وهو تقليد تاريخي أصيل يتحول إلى عرس روحي وثقافي وشعبي يربط الماضي بالحاضر. يعود تاريخ انطلاق هذا الموكب في المغرب وتحديداً بمدينة سلا إلى حقب تاريخية عريقة، حيث تشير المصادر إلى أن هذا التقليد يعود إلى عهد الدولة المرينية وتحديداً في عهد السلطان المريني أبو يعقوب يوسف، الذي تأثر بأجواء الاحتفالات بذكرى المولد النبوي التي عاينها في المشرق العربي، ليقرر إرساء هذا التقليد المنقوش بمداد الفخر في الذاكرة السلاوية والمغربية عامة.

ومنذ ذلك الحين، حرصت أجيال وعائلات سلاوية عريقة على صيانة هذا الإرث وحمايته من الاندثار، متوارثةً أسرار صناعة الشموع المزخرفة جيلاً بعد نسل.

وما يميز موكب الشموع هو تلك الهياكل الخشبية الضخمة التي تأخذ أشكالاً هندسية وقباباً ومآذن بديعة، وتُغطى بآلاف الشموع الملونة والمزخرفة بدقة متناهية وبأشكال فنية مذهلة تحاكي فن العمارة الإسلامية والمغربية الأصيلة، إذ تستغرق عملية إعداد هذه الشموع أسابيع وأشهراً من العمل الشاق والدقيق، تتفنن فيها العائلات الحرفية والجهات المنظمة في صف الشموع وتلوينها بالأبيض والأحمر والأخضر وغيرها، لتشكل لوحات فسيفسائية تضيء شوارع المدينة بوهج ساحر عند حلول المساء. ويوم الاحتفال، يخرج الموكب في استعراض مهيب يخترق الشوارع الرئيسية لمدينة سلا وسط حضور جماهيري غفير من ساكنة المدينة وزوارها القادمين من مختلف المدن المغربية وخارجها، حيث تتزين الشوارع بالأضواء والرايات، وتصدح الحناجر بالصلوات على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وترافق موكب الشموع إيقاعات الفرق التراثية الفلكلورية، كأسرار فن العيور والموسيقى الأندلسية، ونغمات الطبول والمدائح النبوية التي تضفي طابعاً روحياً يعبق بالخشوع والسرور.

ولا ينتهي المطاف بموكب الشموع لمجرد استعراض عابر، بل يتوج بمسار ديني وثقافي يقود المشاركين نحو ضريح الزاوية الحسونية المرتبط بولي الله مولاي عبد الله بن حسون، وهناك تُقام رقصة الشمعة الشهيرة، حيث يحمل الشرفاء والصناع تلك الهياكل الشمعية الثقيلة ويقومون بحركات إيقاعية متناسقة على نغمات الآداب الصوفية والآلات الأندلسية، في مشهد تعبيري فريد يرمز إلى الفرح بمولد خير البرية، ليتلو ذلك التئام الشمل على مآدبة طعام تقليدية واختتام الفعاليات بالدعاء الصالح والأمداح النبوية. ليظل موكب الشموع بسلا أكثر من مجرد استعراض شعبي سنوي؛ إنه عنوان للهوية الثقافية المغربية ورمز متجدد للتشبث بالمحبة النبوية والارتباط بالقيم الروحية والوطنية، ومظلة تجمع أبناء الجيل الواحد على حب التراث، وتُبقي جذوة التاريخ مشتعلة في قلوب الأجيال الناشئة تماماً كشعلة النور الخالدة التي تضيء سماء سلا كلما حل ربيع النور.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
سمية مدغري علوي تكتب.. موكب الشموع بسلا: لوحة تراثية تضيء ذكرى المولد النبوي

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة

أخبار مقترحة

خبر عاجل الدكتور عبدالعزيز قطاطو يكتب... قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون.. قراءة قانونية ودستورية في مقترح «المقايضة الكبرى»