منذ 1 ساعة 0 35 0
الدكتور عبدالعزيز قطاطو يكتب... قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون.. قراءة قانونية ودستورية في مقترح «المقايضة الكبرى»
الدكتور عبدالعزيز قطاطو يكتب... قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون.. قراءة قانونية ودستورية في مقترح «المقايضة الكبرى»

أثار الحديث مجددًا عن «المقايضة الكبرى» لتصفير الدين العام المحلي، مع إدراج قناة السويس ضمن الأصول التي يمكن أن تدخل في هذه المقايضة، نقاشًا يتجاوز حدود الاقتصاد إلى سؤال دستوري وقانوني بالغ الأهمية:

هل يجوز التعامل مع قناة السويس باعتبارها مجرد أصل مالي يمكن نقله أو مقايضته لتسوية مديونية الدولة؟

السؤال هنا ليس عاطفيًا، ولا يتعلق برفض أي فكرة اقتصادية لمجرد أنها جديدة، وإنما يتعلق أولًا وقبل كل شيء بحدود السلطة على المال العام والأصول ذات الطبيعة الاستراتيجية، وبالقيود التي فرضها الدستور على الدولة نفسها.

أولًا: الدستور لم يترك قناة السويس لأحكام السوق

—————————————————

المشرع الدستوري لم يكتفِ بالنص على ملكية الدولة للقناة، وإنما أفرد لها نصًا خاصًا.

فالمادة 43 من الدستور تنص صراحة على أن: «تلتزم الدولة بحماية قناة السويس وتنميتها، والحفاظ عليها بصفتها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها…».

وهذا النص له دلالة دستورية عميقة. فالدستور لم يقل فقط إن القناة «مملوكة للدولة»، وإنما جمع بين ثلاثة التزامات: الحماية – التنمية – الحفاظ على الملكية.

ومن ثم فإن سلطة الدولة على القناة ليست سلطة مالك عادي يستطيع أن يبيع ما يملك متى شاء، وإنما سلطة مقيدة بغاية دستورية محددة.

ثانيًا: هناك فرق بين «ملكية الدولة» و«ملكية جهة حكومية»

—————————————————-

قد يقال إن انتقال ملكية القناة من وزارة المالية إلى البنك المركزي ـ مثلًا ـ لا يمثل بيعًا؛ لأن الطرفين من مؤسسات الدولة. وهذا صحيح من حيث الشكل فقط، لكن القانون الدستوري لا يقف عند الشكل.

فالسؤال الحقيقي هو: ما طبيعة الحق الذي سيتم نقله؟ وما نطاقه؟ ومن صاحب هذا الحق أصلًا؟ وما أثر انتقاله على إدارة المرفق وعوائده ومستقبله؟

فكون هذه المؤسسات تابعة للدولة، لا يعطي الإدارة المالية حرية نقل الأصول بينها دون قيود تشريعية ودستورية.

 

وهنا تكمن أهمية القانون رقم 30 لسنة 1975؛ فقد منح هيئة قناة السويس شخصية اعتبارية وميزانية مستقلة، واعتبار أموالها أموالاً خاصة، مما يجعلها كيانًا قانونيًا قائمًا بذاته وليس مجرد إدارة تابعة لوزارة المالية.

ولأن إعادة ترتيب ملكية أصل بهذا الحجم تتجاوز الصلاحيات المالية للحكومة، فإن أي إجراء بشأنها يتطلب نصًا تشريعيًا صريحًا وخضوعًا للرقابة البرلمانية والقضائية الدستورية، منعًا للالتفاف على حماية المال العام عبر قرارات إدارية أو محاسبية.

 

ثالثًا: «المقايضة» لا تغير حقيقة الالتزام

—————————————————-

الفكرة المطروحة تقوم في جوهرها على نقل أصول مقابل تسوية مديونية. لكن تغيير اسم العملية لا يغير واقعها القانوني؛ فالمهم ليس ما إذا كنا نسميها بيعًا، أو مقايضة، أو إعادة هيكلة محاسبية، بل الأثر الحقيقي والفعلي للعملية.

فاستخدام أصل استراتيجي لسداد دين يظل تصرفًا يستوجب الإجابة عن أسئلة حاسمة: -هل تملك السلطة التنفيذية هذا الحق قانونًا ودستوريًا؟

-من سيتولى إدارة الأصل ويحصل على عوائده مستقبلاً؟

-وما أثر هذا الإجراء على أموال الدولة وحقوق الأجيال القادمة؟

 

رابعًا: المادة 32 من الدستور تضع قيدًا آخر

—————————————————-

الدستور قرر في المادة 32 أن موارد الدولة الطبيعية ملك للشعب، وألزم الدولة بالحفاظ عليها وحسن استغلالها ومراعاة حقوق الأجيال القادمة. كما قرر أنه لا يجوز التصرف في أملاك الدولة العامة، وأن منح حق استغلال الموارد الطبيعية أو التزام المرافق العامة يكون بقانون ووفق الضوابط الدستورية.

وهنا تظهر مسألة جوهرية: هل يمكن أن تكون المعالجة المالية للدين العام سببًا لتغيير المركز القانوني لأصل ذي أهمية استراتيجية للأجيال القادمة؟

الإجابة لا يمكن أن تكون بمجرد القول: «طالما أن الملكية انتقلت من مؤسسة حكومية إلى مؤسسة حكومية، فلا مشكلة»؛ لأن الدستور لا يحمي المال العام من الاعتداء الخارجي فقط، وإنما يفرض على الدولة ذاتها واجب حمايته وحسن إدارته.

 

خامسًا: قناة السويس ليست «أصلًا ماليًا» عاديًا

————————————————-

وهذه هي النقطة الأهم. هناك فرق بين أن تستخدم الدولة حصة في شركة أو أرضًا مملوكة لها أو أصلًا استثماريًا قابلًا للتقييم والتصرف، وبين أن تضع قناة السويس ذاتها في سلة واحدة مع تلك الأصول.

فالقناة ليست مجرد عقار أو شركة أو سهم. إنها: مرفق عام استراتيجي و ممر مائي دولي و مورد اقتصادي رئيسي و أحد مظاهر السيادة المصرية.

بل إن القانون المنشئ لهيئة قناة السويس جعل الهيئة مختصة بإدارة واستغلال وصيانة وتحسين المرفق، وألزمها كذلك بعدم اتخاذ أي إجراء يتعارض مع اتفاقية القسطنطينية لعام 1888. ومن ثم فإن أي تصور اقتصادي للقناة يجب أن يبدأ من طبيعتها الدستورية والقانونية، وليس من قيمتها الدفترية أو الإيرادات التي تحققها.

 

سادسًا: «السيادة» ليست مجرد تغيير اسم الجهة المالكة

————————————————

القول بأن نقل الملكية من وزارة المالية إلى البنك المركزي لا يؤثر في السيادة لأن الجهتين تابعتان للدولة، يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق. فالسيادة ليست مجرد كلمة تعني أن الأصل ما زال داخل الحدود المصرية.

هناك أيضًا: من يملك؟ من يدير؟ من يحصل على العوائد؟ من يتحمل الالتزامات؟ من يقرر مستقبل الأصل؟ ومن يملك سلطة التصرف فيه؟

وهذه كلها أسئلة قانونية وليست محاسبية. والأهم أن البنك المركزي المصري له طبيعة واختصاصات دستورية وقانونية مختلفة عن وزارة المالية، وبالتالي فإن نقل أصل استراتيجي إليه لا يمكن اختزاله في مجرد نقل الأصل من «جيب حكومي» إلى «جيب حكومي آخر».

 

سابعًا: علاج الدين لا ينبغي أن يتحول إلى نقل للمشكلة

————————————————-

من حق الدولة ـ بل من واجبها ـ أن تبحث عن حلول مبتكرة للدين العام، وأن تعيد هيكلة أصولها والتزاماتها، وأن تخفض تكلفة خدمة الدين.

لكن السؤال: هل تصفير الدين محاسبيًا يعني بالضرورة تصفير الدين اقتصاديًا؟

إذا انتقلت المديونية من جهة حكومية إلى جهة حكومية أخرى، فإن ذلك قد يغير مكان تسجيل الالتزام، دون أن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء الالتزام الاقتصادي من النظام المالي للدولة.

وهنا يجب أن يكون النقاش علميًا: هل نحن أمام خفض حقيقي للمديونية وتكلفة خدمتها؟ أم أمام إعادة توزيع للمديونية والأصول بين وحدات القطاع العام؟ الفرق بين الاثنين هائل.

 

ثامنًا: الدستور يحمي الحاضر والمستقبل معًا

———————————————-

القضية ليست فقط: ماذا ستستفيد الدولة اليوم؟ بل أيضًا: ماذا سيبقى للدولة غدًا؟

فالدستور عندما ألزم الدولة بحماية الموارد وحسن استغلالها ومراعاة حقوق الأجيال القادمة، فإنه وضع مبدأً يتجاوز الحسابات المالية قصيرة الأجل.

ولهذا فإن أي صفقة أو مقايضة تمس أصلًا استراتيجيًا يجب أن تخضع لاختبارين: اختبار المشروعية الدستورية، واختبار المصلحة الاقتصادية طويلة الأجل.

ولا يكفي أن تحقق العملية انفراجة في الموازنة خلال سنة أو سنتين إذا كانت ستؤدي في المقابل إلى فقدان الدولة السيطرة الاقتصادية على مورد استراتيجي لعقود.

 

وأخيرًا: لسنا ضد «المقايضة الكبرى»… ولكن

————————————————-

الموقف القانوني الرصين لا ينبغي أن يكون: «لا تقتربوا من قناة السويس لأنها خط أحمر» فحسب. بل يجب أن يكون أكثر دقة:

نعم لإعادة هيكلة الدين.

نعم لإدارة أصول الدولة بكفاءة.

نعم للمقايضة إذا كانت مشروعة اقتصاديًا وقانونيًا.

لكن لا يجوز أن تتحول الأصول الاستراتيجية للدولة إلى ضمانة سهلة لدين عام متراكم.

فالدولة التي تملك أصلًا استراتيجيًا لا ينبغي أن تنظر إليه فقط باعتباره وسيلة لسداد دين اليوم، وإنما باعتباره حقًا اقتصاديًا وقانونيًا للأجيال القادمة.

وقناة السويس تحديدًا لها وضع دستوري استثنائي؛ فالمادة 43 لم تكتفِ بإثبات ملكية الدولة لها، وإنما ألزمت الدولة بحمايتها وتنميتها والحفاظ عليها باعتبارها ممرًا مائيًا دوليًا مملوكًا لها.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل يمكن نقل ملكية قناة السويس من وزارة إلى وزارة؟» بل: هل يسمح الدستور والقانون بأن تتحول قناة السويس، ولو بصورة غير مباشرة، إلى أداة لتسوية الدين العام؟

وهنا تحديدًا يجب أن تكون الإجابة محل دراسة دستورية وتشريعية متأنية، قبل أن تكون مجرد قرار مالي أو محاسبي؛ فالأصول التي بنتها الأجيال لا يجوز أن تُستهلك لمعالجة أخطاء جيل واحد.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
الدكتور عبدالعزيز قطاطو يكتب... قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون.. قراءة قانونية ودستورية في مقترح «المقايضة الكبرى»

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق

أخبار مشابهة

أخبار مقترحة

خبر عاجل الدكتور عبدالعزيز قطاطو يكتب... قناة السويس ليست ورقة في دفتر الديون.. قراءة قانونية ودستورية في مقترح «المقايضة الكبرى»