عندما نتحدث عن الاقتصاد المصري، غالبًا ما ينصرف التفكير مباشرة إلى سعر الصرف، والتضخم، والدين، والاستثمارات، وحجم الموارد المالية المتاحة. وكلها مؤشرات مهمة، لكنها لا تجيب وحدها عن سؤال ربما يكون أكثر أهمية:
هل نستخدم ما نملكه من موارد بأعلى كفاءة ممكنة؟
من وجهة نظري، فإن أحد التحديات الرئيسية أمام الاقتصاد المصري لا يرتبط فقط بحجم الموارد المتاحة، وإنما بقدرتنا على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل ودخول حقيقية.
وهذا ليس تجاهلًا للتحسن الذي شهدته بعض المؤشرات الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة. فقد أشار صندوق النقد الدولي في يوليو 2026 إلى استمرار تعافي النشاط الاقتصادي في مصر، مع وصول نمو الناتج المحلي الحقيقي إلى 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، وتوقع نمو بنحو 4.6% للسنة المالية نفسها.
لكن السؤال الذي يجب أن يظل مطروحًا هو: كيف نضمن أن يتحول هذا التحسن في المؤشرات الكلية إلى نمو أكثر استدامة، وإلى زيادة في الإنتاجية، وفرص العمل، والدخل الحقيقي للمواطن؟
هنا تظهر أهمية «الكفاءة».
الدول لا تصبح أكثر ثراءً لمجرد امتلاكها الأراضي أو الموارد الطبيعية أو رأس المال، وإنما عندما تستطيع استخدام هذه الموارد لإنتاج سلع وخدمات ذات قيمة، وبأقل تكلفة ممكنة، وبجودة قادرة على المنافسة.
فالاقتصاد في جوهره ليس مجرد عملية ضخ للأموال، وإنما عملية اختيار.
الموارد محدودة، ولذلك فإن السؤال الاقتصادي الأهم ليس فقط: كم نملك؟ وإنما: أين نضع هذه الموارد؟ وما العائد الذي نحصل عليه منها؟
خذ الزراعة على سبيل المثال.
القيمة الاقتصادية للمحصول لا تنتهي عند خروجه من الأرض. فهناك التخزين، والنقل، والتصنيع، والتعبئة، والتسويق والتصدير. وكلما نجحنا في الانتقال من بيع المنتج في صورته الأولية إلى تصنيع منتجات ذات قيمة مضافة، زادت القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد المصري.
والأمر نفسه ينطبق على الصناعة.
إنشاء مصنع ليس نهاية العملية الصناعية، وإنما بدايتها. فالقوة الحقيقية تأتي عندما تتكون حول المصنع شبكة من الموردين، والخدمات، والعمالة المتخصصة، والتكنولوجيا، والتسويق، والتصدير.
وهنا يجب أن ننتقل من التفكير في «حجم الاستثمار» إلى التفكير في «جودة الاستثمار».
فليس كل جنيه يتم استثماره يحقق نفس العائد الاقتصادي، وليس كل مشروع قادرًا بالضرورة على خلق القيمة المضافة نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية الإنتاجية.
قد يعمل شخصان العدد نفسه من الساعات، لكن أحدهما ينتج ضعف ما ينتجه الآخر بسبب اختلاف المهارات أو التكنولوجيا أو الإدارة أو تنظيم العمل.
ولهذا فإن رفع الإنتاجية يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح النمو الاقتصادي المستدام.
والاستثمار في الإنسان هنا لا يقل أهمية عن الاستثمار في الآلات والمباني.
فالتعليم والتدريب ليسا مجرد خدمات اجتماعية، وإنما جزء من البنية الإنتاجية للاقتصاد.
إذا كان الاقتصاد يحتاج إلى مهارات معينة، بينما ينتج نظام التعليم أعدادًا كبيرة من الخريجين في تخصصات لا تتوافق بصورة كافية مع احتياجات سوق العمل، فإن المشكلة لا تكون في عدد الخريجين فقط، وإنما في كفاءة استخدام رأس المال البشري.
كما أن التكنولوجيا أصبحت عنصرًا أساسيًا في معادلة الإنتاجية.
فالتحول الرقمي، وتحليل البيانات، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، وتطوير نظم الإدارة يمكن أن تساعد الشركات والمؤسسات على إنتاج المزيد باستخدام الموارد نفسها أو موارد أقل.
لكن الحديث عن الكفاءة لا يعني تحميل المواطن وحده مسؤولية المشكلات الاقتصادية.
الدولة لديها دور أساسي في خلق بيئة تسمح بالإنتاج والاستثمار والمنافسة، وتحسين البنية الأساسية، وتطوير التعليم والتدريب، وتقليل الإجراءات غير الضرورية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام.
وفي الوقت نفسه، يحتاج القطاع الخاص إلى زيادة الاستثمار المنتج، ورفع جودة المنتجات، وتحسين الإنتاجية، والبحث عن أسواق تصديرية جديدة بدل الاعتماد بصورة مفرطة على الطلب المحلي.
أما المواطن، فله دوره أيضًا، سواء من خلال تطوير مهاراته، أو ترشيد استهلاكه، أو الادخار والاستثمار عندما تسمح ظروفه بذلك.
لكن هناك قضية أخرى يجب ألا نغفلها: ارتفاع تكلفة التمويل ومدفوعات الفائدة يمكن أن يحدا من المساحة المتاحة أمام الإنفاق على القطاعات التي ترفع الإنتاجية على المدى الطويل.
وقد أشار البنك الدولي إلى أن مدفوعات الفائدة في مصر ظلت مرتفعة، بما يحد من الحيز المالي المتاح للإنفاق على الأولويات.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا:
كيف نحقق الاستقرار المالي، وفي الوقت نفسه نضمن استمرار الاستثمار في الإنسان والبنية الأساسية والإنتاج؟
الإجابة في رأيي ليست في الإنفاق الأكبر دائمًا، وإنما في الإنفاق الأكثر كفاءة.
فإذا كانت مؤسسة تعاني ضعف الإنتاجية، فإن ضخ أموال إضافية فيها دون إصلاح أسباب الضعف قد يؤدي إلى زيادة التكلفة دون زيادة مماثلة في الناتج.
وإذا كان قطاع معين يحصل على استثمارات كبيرة دون تحقيق قيمة مضافة مناسبة، فقد تكون المشكلة في اختيار المشروعات أو إدارتها، وليس في نقص التمويل فقط.
لذلك أرى أننا بحاجة إلى ترسيخ مفهوم يمكن أن نسميه «اقتصاد الكفاءة».
اقتصاد لا يقيس النجاح فقط بحجم الأموال التي تم إنفاقها، وإنما بحجم القيمة التي تم خلقها مقابل كل جنيه تم إنفاقه.
وهذا يتطلب عدة تحولات.
أولًا: ربط التعليم والتدريب باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل بصورة أكبر.
ثانيًا: زيادة الاستثمار في التكنولوجيا ورفع إنتاجية العامل.
ثالثًا: توجيه الاستثمار نحو القطاعات القادرة على خلق قيمة مضافة وزيادة الصادرات.
رابعًا: تقليل الفاقد في الزراعة والغذاء والنقل والتخزين.
خامسًا: تحسين بيئة الاستثمار وتقليل الوقت والتكلفة اللازمين لإنشاء وتشغيل المشروعات.
سادسًا: إعطاء المحافظات والقرى دورًا أكبر في النشاط الاقتصادي، بدل استمرار التركيز الاقتصادي في عدد محدود من المدن.
فالقرية المصرية، على سبيل المثال، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد منطقة سكنية تستهلك السلع والخدمات، وإنما يمكن أن تتحول إلى وحدة إنتاجية متكاملة إذا تم الربط بين الزراعة والتصنيع الغذائي والخدمات والتجارة والتخزين والطاقة والتمويل والتسويق.
وهنا يمكن أن تتحول التنمية المحلية من مجرد تحسين للخدمات إلى جزء من استراتيجية النمو الاقتصادي نفسها.
في النهاية، لا أعتقد أن السؤال الصحيح للاقتصاد المصري هو: «من أين نحصل على المزيد من الأموال؟» فقط.
بل يجب أن نسأل أيضًا:
«كيف نخلق قيمة أكبر من الموارد التي نملكها بالفعل؟»
فامتلاك الموارد لا يضمن الثراء، كما أن نقص بعض الموارد لا يعني بالضرورة الفقر.
الفارق الحقيقي تصنعه القدرة على الإدارة، والإنتاج، والابتكار، ورفع الإنتاجية، وحسن تخصيص الموارد.
ومصر تمتلك موارد بشرية وطبيعية وموقعًا جغرافيًا وقطاعات اقتصادية قادرة على خلق قيمة كبيرة، لكن التحدي الحقيقي هو تحويل هذه الإمكانات إلى إنتاج مستدام وفرص عمل ودخل حقيقي.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه في المرحلة المقبلة ليس:
«كم نملك من الأموال؟»
وإنما:
«كم قيمة نستطيع أن نخلق بكل جنيه نملكه؟»
فإذا نجحنا في الإجابة عن السؤال الثاني، فقد نكتشف أن جزءًا كبيرًا من الحل الاقتصادي لا يكمن فقط في البحث عن موارد جديدة، وإنما في تعلم كيفية استخدام مواردنا الحالية بصورة أكثر كفاءة.
يسري ثابت
☆☆ باحث في الاقتصاد والعلوم السياسية
















