في بلدتنا بلطيم، كنت أسمع اسم البروفيسور عبد العليم رجب من أبي قبل أن أعرفه شخصيًا. لقد عرفته أولًا من خلال أحاديث أبي؛ فقد كان أبي يتحدث عنه كثيرًا، ويذكره بالتقدير والاحترام، فدخل اسم د. عبد العليم رجب إلى ذاكرتي قبل أن أدخل أنا إلى حياته. ولم أكن يومها أعرف أن الاسم الذي أسمعه من أبي سيتحول، بعد سنوات، إلى رجل سيكون له في حياتي أثر لا تنساه الذاكرة.
وقبل أن يصبح البروفيسور عبد العليم جزءًا من قصتي أنا، كان قد أصبح بالفعل جزءًا من حياة أبي وبيتنا؛ فقد أجرى البروفيسور لأبي جراحتين في العمود الفقري، كما أجرى لعمي الريس العبد ذات الجراحة، وتولت زوجته الفاضلة الدكتورة سوسن، أستاذ طب الأطفال بكلية الطب بجامعة القاهرة، متابعة علاج أخي الأصغر الذي أصيب بالحمى الروماتيزمية.
ثم جاءت علاقتي أنا بالبروفيسور عبد العليم، وكانت بدايتها مرتبطة بحلم كان أبي يحمله لي منذ تخرجي في كلية الحقوق؛ فقد كان أبي يتمنى أن يراني عضوًا في النيابة العامة، ورأى في البروفيسور عبد العليم الرجل الذي يستطيع أن يساعدني في الوصول إلى هذا الطريق.
فتحدث إليه أبي، وتدخل البروفيسور، وبذل ما استطاع من جهد، وتابع الإجراءات مع أحد السادة مساعدي وزير العدل، وقد كان رجلًا عظيمًا، رحمه الله تعالى، حتى تم إدراج اسمي ضمن قائمة المرشحين للتعيين في النيابة العامة.
أتذكر جيدًا يوم أخبرني بالخبر، فقد كان فرحًا بي، وبارك لي، ثم قال لي مازحًا:
«هو أنت اشتريت البدلة ولا لسه؟ لو ما كنتش اشتريت البدلة، روح اشتري بدلة كويس تليق بحفلة حلف اليمين.»
واشتريت البدلة فعلًا. فقد قرأت اسمي في الكشف قبل إرساله إلى مجلس الوزراء.
كنت أظن أن الطريق قد انتهى إلى حيث كان يحلم أبي، رحمه الله تعالى، ولم أكن أعرف أن البدلة التي اشتريتها لحلف اليمين ستظل في ذاكرتي، لا باعتبارها بدلة لمناسبة تمت، وإنما باعتبارها شاهدًا على طريق لم يُكتب لي أن أسلكه، دونما ندم أو حسرة.
إلا أنه…
وعند عرض كشف التعيين على رئاسة مجلس الوزراء تمهيدًا لعرضه على رئيس الجمهورية آنذاك، حدث تغيير في الأسماء، وكنت واحدًا من تسعة عشر اسمًا حُذفت من الكشف، ووُضع غيرنا مكاننا.
ذهبت إليه، ولم يتركني طويلًا في مساحة الإحباط؛ جلس معي وحدثني بهدوء عن معنى آخر لما حدث.
قال لي إن كل شيء بقدر الله، وإن الإنسان قد يظن أن بابًا أُغلق في وجهه، بينما يكون الله قد أغلقه لأنه يريد له بابًا آخر.
ثم بدأ يحدثني عن المحاماة، وكان يرى فيها مستقبلي الحقيقي، وقال لي إنني أستطيع أن ألمع فيها، وأن أبني اسمًا كبيرًا، وأن أحقق فيها من النجاح والمال ما ربما لم أكن لأحققه لو دخلت النيابة.
لم يكن كلامه مجرد مواساة لرجل خسر وظيفة كان يتمناها؛ كان يتحدث معي كما لو أنه يرى أمامي طريقًا آخر، قبل أن أراه أنا.
وأظن أنني لم أفهم قيمة هذه الكلمات إلا بعد سنوات، عندما أدركت أن بعض النصائح لا تظهر حكمتها في لحظة سماعها، وإنما تكشفها لنا الحياة بعد أن نمضي بعيدًا عنها.
ومضت الأيام، وبدأت بالفعل طريق الدراسات العليا. كان الطريق إلى الماجستير طويلًا ومرهقًا للغاية، وبدأت أشعر أن دبلوم العلوم الجنائية الذي أحببته وأردته بشدة بدأ يتحول، بعد إخفاقي لثلاث مرات في الامتحان الشفوي، وهو الامتحان الأيسر والأسهل، إلى اختبار حقيقي لإرادتي قبل أن يكون اختبارًا لعلمي.
وكان تعثري في دبلوم العلوم الجنائية قد أثقلني نفسيًا، ودارت أيامي كلها آنذاك ما بين ألم القولون العصبي والصداع.
وفي يوم اشتد عليّ الصداع عدة أيام، فذهبت إلى البروفيسور عبد العليم، وسألني عن حالي، فحكيت له ما جرى في الدبلوم، وسألني عن الأساتذة الذين يدرسون لي، ثم قال كعادته:
«إن شاء الله خير.»
ثم سألني:
— «إنت قاعد فين ومع مين دلوقتي؟»
فأخبرته أنني أقيم مع أحد الزملاء والأصدقاء.
فأخرج من جيبه مباشرة مفتاحين، وقال لي إن أحدهما مفتاح شقته في الدور الأرضي، وهي الخاصة بوالده الحاج عبد المنعم، رحمه الله تعالى، عندما يأتي إلى القاهرة، والمفتاح الآخر مفتاح عيادته في ميدان الجيزة.
ثم قال لي ببساطة:
«اقعد في أي شقة زي ما أنت عايز.»
لم يفرض عليّ مكانًا، بل ترك لي حرية الاختيار بين المكانين، بما فيهما المكان الخاص بوالده، فاخترت العيادة، فأمر التمرجي على الفور بتنظيف إحدى الغرف، وكانت غرفة زوجته الدكتورة سوسن، والتي كانت ترعى طفلتها آنذاك.
كان يرى من المشهد ما لم أكن أراه أنا في ذلك الوقت. أما أنا، فلم أكن قد أدركت بعد أن بعض الصحبة قد تبدو في بدايتها عادية، ثم يتبين للإنسان مع مرور السنوات أن لها أثرًا في طريقه، وأن المكان الذي يعيش فيه الإنسان والناس الذين يحيطون به قد يكونون جزءًا من نجاحه أو من تعطيله دون أن يشعر.
وهناك وجدت أخيرًا المكان الذي أستطيع أن أجلس فيه إلى كتبي بعيدًا عن صاحبي؛ فقد كان كلما رآني ممسكًا بكتاب بادرني بالحديث والحكايات، أو اقترح أن نخرج للعشاء، فأجد نفسي قد ابتعدت عن المذاكرة.
أما في عيادة البروفيسور، فقد أصبحت وحدي مع كتبي.
كان قد أعطاني مفتاح مكان، لكنه في الحقيقة كان يفتح لي بابًا جديدًا للنجاح.
واليوم، عندما أتذكر تلك الأيام، أجد أن ما فعله لم يكن مجرد توفير مكان هادئ للمذاكرة.
كان الرجل يحاول أن يعيد ترتيب حياتي من حولي؛ أبعدني عن البيئة التي رأى أنها تعطلني، ووضعني في مكان يستطيع فيه عقلي أن يعمل، ثم ظل يتابعني من بعيد دون أن يفرض نفسه عليّ.
وكان هذا أسلوبه في المحبة.
وفي أحد الأيام، كنت في الغرفة أذاكر كعادتي، فجاءني التمرجي بكوب من الشاي. سألته عن البروفيسور، فقال لي إنه لم يصل بعد، لكنه سيأتي ويخرج سريعًا؛ فقد تلقى اتصالًا هاتفيًا بأن أحد أقاربه توفي وهو في طريقه إلى قصر العيني.
خرجت من الغرفة، وما إن رآني البروفيسور حتى ضربني على وجهي ضربة قوية، فوجدت نفسي واقفًا أمامه في دهشة لا أفهم شيئًا.
ثم أخذني إلى غرفة مكتبه، وهناك بدأت أفهم ما حدث.
كان قد تلقى اتصالًا من أهلي يخبرونه أنني توفيت، وأنهم يريدون مساعدته في إجراءات إخراج الجثمان من قصر العيني وإرساله إلى بلطيم.
لكن المفارقة أن الرجل خرج لإخراج الجثمان، فوجد الشخص نفسه الذي قيل له إنه مات أمامه.
وعندما استوعبت القصة، فهمت سبب تلك الضربة التي لم أفهمها في اللحظة الأولى.
لقد كان الرجل قد تلقى خبر وفاتي، ثم وجدني حيًا أمامه.
وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء لم يكن البروفيسور عبد العليم يقوله بالكلمات: شعرت بمحبة هذا الرجل لي.
فهو كان رجلًا شديد الجدية، قليل الكلام، حتى إنه كان معروفًا عنه أنه لا يحب التقبيل، ويكتفي عادة بالمصافحة. ومع ذلك، كان يسمح لي أنا بأن أقبّله، وكان من حوله يلاحظون ذلك ويستغربونه.
ولم أكن أحتاج إلى تفسير.
فبعض الرجال لا يقولون «أنا أحبك»؛ وإنما تأتي محبتهم في لحظة خوف، أو في موقف مفاجئ، أو في يد تمتد إليك دون كلام.
وكانت تلك الضربة، على قسوتها، واحدة من أكثر اللحظات التي شعرت فيها أنني لست مجرد شخص يعرفه البروفيسور، وإنما إنسان له مكان عنده.
ومن يومها، أصبحت تلك الضربة على وجهي، رغم ألمها، ذكرى أبتسم كلما تذكرتها؛ لأنها كانت ربما أكثر تعبير صادق عن مشاعر رجل لم يكن يعرف كيف يقولها.
ونجحت في دبلوم العلوم الجنائية.
كان ذلك النجاح بالنسبة لي أكبر من مجرد اجتياز امتحان؛ فقد كان انتصارًا على سلسلة من التعثرات، وعلى لحظات كدت أظن فيها أن الطريق قد أغلق نهائيًا.
وهنا بدأت أرى بوضوح أن البروفيسور لم يدخل حياتي ليحل مشكلة عابرة، وإنما دخلها ليترك أثرًا.
وكان هذا النجاح، في تقديري، أول مرة أرى فيها أثر محبته لي مكتملًا أمام عيني:
هو لم يكتفِ بأن يقول لي «إن شاء الله خير»؛ لقد ساعدني حتى أصبح للخير مكان.
ولم تكن مواقف البروفيسور عبد العليم معي كلها مرتبطة بالدراسة أو بمستقبلي الشخصي؛ فقد كانت له مواقف أخرى كشفت لي معدن الرجل في أوقات يحتاج فيها الإنسان إلى من يقف إلى جواره بالفعل، لا بالكلام.
ومن ذلك أن أحد أقاربي أصيب في العمود الفقري، وكانت حالته تستدعي إجراء جراحة عاجلة. وكان ذلك يوم الأحد، فذهبت إلى البروفيسور في عيادته، وشرحت له الحالة.
قال لي إن لديه في اليوم التالي، الاثنين، عدة عمليات، ثم ترك لي الاختيار بين أن تجرى الجراحة يوم الاثنين أو يوم الأربعاء.
كنت أرى أن الرجل متعب، فقلت له إنني أفضل أن تجرى العملية يوم الاثنين.
فلم يتردد، وقال لي:
«اخرج دلوقتي وروح مركز أشعة رنين في السيدة زينب، وأنا هكلمهم يستنوك ويعملوه لك.»
وبالفعل ذهبت إلى مركز الأشعة، وأُجري الرنين، ثم ذهبت في اليوم التالي إلى المستشفى الدولي بالدقي، وأجرى البروفيسور الجراحة.
وبعد العملية، استشعر أنني أنا الذي أتحمل مسؤولية هذا الرجل، فقال لي ببساطة:
«يا رفعت، طالما إنت هتشيل الراجل ده، أنا هاشيل معاك.»
لم تكن الجملة في ظاهرها كبيرة، لكنها عندي كانت تحمل الكثير.
فهو لم يسألني عن قدرتي، ولم يتركني وحدي أمام مسؤولية رجل يحتاج إلى جراحة عاجلة، وإنما قرر أن يحمل معي جزءًا من الحمل.
وهكذا كان عبد العليم رجب في حياتي:
لا يكثر من الكلام عن الشهامة، لكنه كان يمارسها عندما يحين وقتها.
وبعد انتهاء دراسة الماجستير وتسجيلي لرسالة الدكتوراه، ظلت علاقتي بالبروفيسور عبد العليم ممتدة، وما زالت، ولم يكن يتحدث معي عن حاضر فقط، وإنما كان ينظر إلى حياتي من مكان أبعد قليلًا مما كنت أقف أنا فيه؛ كان يتمنى لي أمورًا ويسعى إليها بصدق.
ثم، بعد نحو ثلاثة عشر عامًا، تعرضت لحادث كبير في المدينة المنورة بالمملكة العربية السعودية، وكان من آثاره أن خضعت لعدة عمليات جراحية في الركبة والحوض ومفصل الفخذ الأيمن والعمود الفقري. بدأت رحلة العلاج في مستشفى الملك فهد بالمدينة المنورة، ثم نقلني أخي وليد، شفاه الله وعافاه وأطال في عمره، لاستكمال العلاج والجراحات في مستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالرياض.
كانت رحلة قاسية، تركت في جسدي آثارًا لا تخطئها العين.
وعندما انتهت الجراحات وعدت إلى القاهرة، ذهبت إليه وأنا أحمل جسدًا أثقلته الجراحات، وذاكرة تحمل سنوات طويلة من المواقف.
وفي تلك اللحظة أدركت أن بعض العلاقات لا تُقاس بعدد اللقاءات، ولا بطول السنوات، وإنما بما يثبت منها عندما تأتي الأيام الصعبة.
وكان وجوده إلى جواري في تلك اللحظة امتدادًا طبيعيًا لكل ما سبق.
ليس موقفًا جديدًا بقدر ما كان تأكيدًا لعلاقة بدأت من أبي، ثم أصبحت جزءًا من حياتي أنا، واستمرت رغم تغير العمر والظروف.
وعندما أتأمل البروفيسور عبد العليم بعد كل هذه السنوات، أجد أن أكثر ما يميزه في ذاكرتي ليس فقط علمه، ولا مكانته في قصر العيني، وإنما ثباته.
كان ابن بلطيم الذي ذهب إلى القاهرة، لكنه لم يترك وراءه شيئًا من بلطيم.
ظل فيه شيء من أبيه، الحاج عبد المنعم رجب: الأصول.
كان قليل الكلام، قليل المزاح، شديد الجدية، مستقيم السيرة، وله هيبة خاصة في حضوره.
وكان احترام الناس له امتدادًا طبيعيًا لاحترامهم لأسرته كلها؛ فكلما اقتربت من أسرته، وجدت شيئًا من الرجل في أبيه المرحوم الحاج عبد المنعم، وإخوته المرحوم فؤاد، والمرحوم الأستاذ علي، وحبيبي الأستاذ محمد، أطال الله في عمره، وكأن هناك خيطًا خفيًا يصل بينهم جميعًا.
ومع مرور السنوات، أدركت أن بعض الصفات لا يتعلمها الإنسان من الكتب ولا تصنعها المناصب؛ إنها تُزرع في البيت، ثم تكبر مع صاحبها أينما ذهب.
ولأنني أرى أن بعض الناس لا نرد لهم الجميل بالكلمات، بل نرد لهم الجميل بأن نذكرهم، لذلك أقول للبروفيسور:
شكرًا لحضورك في لحظات انكساري، وواسيْتني.
شكرًا لحضورك في لحظات ضعفي، فسندتني.
شكرًا لحضورك في اللحظة التي ظن فيها أهلي أنني مت، فكنت الرجل الذي أعاد إليهم صوتي وحياتي.

















