شناشيل /
السعيد عبد العاطي مبارك الفايد - مصر
================
ساعة مع شاعر الأطلال الطبيب إبراهيم ناجي
٠٠٠٠٠٠٠
* قال إبراهيم ناجي :
لن أشارك في جنازة بعد !٠
* و كان يعطي المريض ثمن الكشف كي يشتري فرخة يتقوى بها !٠
وهذه المواقف سوف نتعرف عليها في السطور التالية كما هي في مقدمة ديوانه ٠
٠٠٠٠٠٠
هذه الكعبةُ كنَّا طائفيها والمصلِّين صباحًا ومساءَ
كم سجدنا وعبدنا الحسنَ فيها! كيف باللّه رجعنا غرباء؟!
٠٠٠
يا فؤادي لا تسل أين الهوى .. كان صرحاً من خيالٍ فهوى
اسقني واشرب على أطلاله .. واروِ عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً .. وحديثاً من أحاديث الجوى ٠
٠٠٠٠٠
نعم إنه صاحب ملحمة الأطلال و ملحمة السراب ٠٠
و قد قال عنه العقاد : شاعر الرقة العاطفية ٠
ونسبه إلى مدرسة الشعراء الظرفاء ٠
أجل فقد تكلمنا عنه في دراسات عدة باستفاضة و اليوم ها نحن نعود إلى شاعريته ورومانسيته و ظرفه و سخريته و شخصيته المركبة و مواقفه النبيلة من خلال دواوينه و بعض أعماله و قصائده المجهولة أيضا ٠
فشعره له عذوبة ورقة و انسيابية وتهويمات و فلسفة جمالية و نزعة تشاؤمية وابحار في مشاعر الذات المحترقة ، كل هذه المقومات الفنية نتذوقها في القراءة بعفوية بل و نلمسها في رومانسيته المفرطة التي يصويرها و يبدعها مشاعر صادقة مؤثرة في تلقائية دون عناء تجربة ذاتية من واقع المعاناة مع ظلال الحياة هكذا ٠٠
فقد خاض معارك حول شعره مع عميد الأدب د ٠ طه حسين حول ديوانه وراء الغمام ٠٠
و في النهاية انتصر شعره بعد دوامة احباط ٠٠
و من ثم بقى شعره ينطق بالجمال و الخيال و العبقرية ٠٠
و لم لا وهو الإنسان و الشاعر صاحب الأنفاس المحترقة ٠
و يكفي إنه صاحب قصيدة ( الأطلال ) الخالدة التي شدت بها كوكب الشرق أم كلثوم ، و أرى بدون تحيز ٠٠
لو لم يكتب ابراهيم ناجي غيرها لكانت كافية أن تضعه في مقدمة الشعر و الشعراء و في ريادته حقا دون نقاش هكذا ٠
* عزيزي القاريء الكريم مع مواقف و فكاهة في حياته :
-----------------------------
* الامتحان في المشرحة :
ودخل إبراهيم ناجي يوما لأداء الامتحان في المشرحة ٠٠وجيء له برأس امرأة ماتت لتوها وكان الممتحن العلامة علي إبراهيم باشا رائد الطب وطلب منه أن يشخص المرض الذي ماتت به فارتبك ولم يرد جوابا ٠
فقال له : عيب يا ناجي أنت شاعر انظر إلى وجهها وعينها فراح الشاعر يتأمل وجه المرأة فإذا هو شاحب شحوبا جميلا ثم راح يتأمل عينيها فإذا بها حزن عميق ٠٠
فقال : لقد ماتت بالسل ٠
فأجاب علي إبراهيم باشا : برافو يا ناجي حسبي منك هذا ونجح بتفوق ٠
* يدفغ جنيه للمريض كي يشتري فرختين مشويتين :
حيث كان يمارس مهنته بروح إنسانية وكثيرا ما كان يدفع للفقراء المعوزرين من جيبه ٠٠
وقد قصد عيادته مريضا فقيرا وكشف عليه فلم يجد به داء إلا الجوع فأخرج من جيبه جنيها وقدمه للرجل وقال له :
خذ هذا الجنيه و اشتر به زوجا من الدجاج وكله و ستشفى بأذن الله ٠
ورغم غوصه في عالم الطب و متابعة أحداث منجزاته وحضوره المؤتمرات الطبية مرتبطا ارتباطا وثيقا بالعلم و الأدب و بالشعر بصوره خاصه ٠
* لن أشارك في تشيع جنازة بعد اليوم :
ذات يوم نظر من شباك عيادته في حي شبرا فوجد جنازة لا يسير خلفها إلا بضعة أفراد فاقسم أن يسرع ليشارك فيها ظنا منه إنها لفقير ٠٠
و طلب من الأربعة الذين يحملونها على الأعناق أن ( يحمل مثلهم مشاركة كي يؤاجر في ثوبها ) و بالفعل حمل و الجو حار و المشوار بعيد فكاد أن يسقط على الأرض مغشيا عليه حيث كان طويلا ونحيفا و لم يتعود على هذا الحمل من قبل ٠٠
وصاح طالبا للتغير و التبديل ٠٠
فاخبروه ان الفرد الذي مكانه كان مأجورا بالفلوس وهرب وانت مكانه فحزن و أقسم لن يشارك في جنازة بعد اليوم ٠
* مشواره من النشأة إلى شاعريته :
----------------------------
وقد ترجم اشعار كبار أوروبا
وانضم إلى مدرسة أبولو عام 1932م التي أفرزت نخبة من الشعراء المصريين والعرب استطاعوا تحرير القصيدة العربية الحديثة من الأغلال الكلاسيكية والخيالات والإيقاعات المتوارثة. كان ناجي شاعراً يميل للرومانسية، أي الحب والوحدانية، كما اشتهر بشعره الوجداني. وكان وكيلا لمدرسة أبولو الشعرية وترأس من بعدها رابطة الأدباء في الأربعينيات من القرن العشرين.
ونال نقدا قاسيا من طه حسين و العقاد ٠٠
ويرجع هذا إلى ارتباطه بجماعة أبولو وقد وصف طه حسين شعره بأنه شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه، وقد أزعجه هذا النقد فسافر إلى لندن وهناك دهسته سيارة عابرة فنقل إلى مستشفى سان جورج وقد عاشت هذه المحنة في أعماقه فترة طويلة حتى توفي في 24 مارس 1953.
و من المعروف أن ناجي انسان وطبيب مرهف الشعور ٠٠
إبراهيم ناجي شاعر مصري ولد في 31 ديسمبر 1898م في حي شبرا في القاهرة، وتوفي عام 1953م، عندما كان في الخامسة والخمسين من العمر. كان طبيبا وكان والده مثقفاً، مما ساعده على النجاح في عالم الشعر والأدب.
تخرج ناجي في (مدرسة الطب) عام 1922م وعين حين تخرجه طبيباً في وزارة المواصلات، ثم في وزارة الصحة، وبعدها عيّن مراقباً للقسم الطبي في وزارة الأوقاف.
عاش في بلدته -أول حياته- المنصورة وفيها رأى جمال الطبيعة وجمال نهر النيل فغلب على شعره -شأن شعراء مدرسة أبولو-الاتجاه العاطفى. أصيب بمرض السكر في بداية شبابه فتألم كثيرا لذلك وتوفي عام 1953م.
بدأ حياته الشعرية حوالي عام 1926 عندما بدأ يترجم بعض أشعار الفريد دي موسييه وتوماس مور شعراً وينشرها في السياسة الأسبوعية ٠
* مختارات من شعره :
==============
مع قصيدة ( هذه الكعبة كنا طائفيها ) حيث التذوق والجمال الفني المتعدد يقول إبراهيم ناجي فيها :
هذه الكعبةُ كنَّا طائفيها والمصلِّين صباحًا ومساءَ
كم سجدنا وعبدنا الحسنَ فيها! كيف باللّه رجعنا غرباء؟!
•••
دارُ أحلامي وحبِّي لقيتنا في جمود مثلما تلقى الجديدْ
أنكرتْنا وهْي كانتْ إن رأتْنا يضحك النورُ إلينا من بعيدْ
•••
رفْرَفَ القلبُ بجنبي كالذبيحْ وأنا أهتف: يا قلبُ اتَّئدْ
فيجيب الدمعُ والماضي الجريحْ لِمَ عُدنا؟
أَوَ لم نطوِ الغرامْ وفرغنا من حنين وألمْ
ورضينا بسكون وسلامْ وانتهينا لفراغ كالعدم؟!
•••
أيها الوكرُ إذا طار الأليفْ لا يرى الآخرُ معنًى للمساءْ
ويرى الأيام صُفرًا كالخريفْ نائحات كرياح الصَّحراء
•••
آهِ مما صنع الدهرُ بنا! أَوَ هذا الطللُ العابس أنتَ؟!
والخيال المطرق الرأس أنا شدَّ ما بتْنا على الضنك وبتَّ!
•••
أين ناديكَ؟ وأين السمرُ؟ أين أهلوكَ بساطًا وندامى؟
كلّما أرسلتُ عيني تنظرُ وثبَ الدمعُ إلى عيني وغاما
•••
مَوْطِنُ الحسن ثوى فيه السأمْ وسرتْ أنفاسُه في جوِّهِ
وأناخ الليلُ فيه وجثمْ وجرَتْ أشباحُه في بهوهِ
•••
والبِلى! أبصرتُه رأيَ العيانْ ويداه تنسجان العنكبوتْ
صحتُ يا ويحكَ تبدو في مكانْ كلُّ شيءٍ فيه حيٌّ لا يموتْ!
•••
كلُّ شيءٍ من سرور وحَزَنْ والليالي من بهيجٍ وشَجِي
وأنا أسمعُ أقدامَ الزمنْ وخُطى الوحدةِ فوق الدرجِ
•••
رُكْنِيَ الحاني ومغنايَ الشفيقْ وظلال الخلدِ للعاني الطليحْ
علم الله لقد طال الطريقْ وأنا جئتكَ كيما أستريح
•••
وعلى بابكَ أُلقي جعبتي كغريب آب من وادي المِحنْ!
فيكَ كفَّ الله عنِّي غربتي ورسا رَحْلي على أرض الوطن!
•••
وطني أنتَ ولكنِّي طريدْ أبديُّ النفيِ في عالَم بؤسي!
فإذا عدت فللنجوى أعودْ ثم أمضي بعدما أُفرغ كأسي! ٠
***
ونختم بمقطع من قصيدته ذائعة الصيت و الشهرة و التي شدت بها كوكب الشرق سيدة الطرب السيدة أم كلثوم حيث يقول في مطلعها :
فؤادي لا تسل أين الهوى .. كان صرحاً من خيالٍ فهوى
اسقني واشرب على أطلاله .. واروِ عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً .. وحديثاً من أحاديث الجوى
لست أنساك وقد أغريتني .. بفمٍ عذب المناداة رقيقْ
ويدٍ تمتد نحوي كيدٍ .. من خلال الموج مدت لغريق ْ
وبريقاً يظمأ الساري له .. أين في عينيك ذياك البريق ْ
يا حبيباً زرت يوماً أيكه .. طائر الشوق أغني ألمي
لك إبطاء المدل المنعم .. وتجني القادر المحتكمٍ
وحنيني لك يكوي أضلعي .. والثواني جمرات في دمي
أعطني حريتي أطلق يديَّ .. إنني أعطيت ما استبقيت شيَّ
آه من قيدك أدمى معصمي .. لم أبقيه وما أبقى عليَّ
ما احتفاظي بعهودٍ لم تصنها .. وإلام الأسر والدنيا لديَّ
أين من عيني حبيبُ ساحرٌ .. في نبل وجلال وحياء
واثق الخطوة يمشي ملكاً .. ظالم الحسن شهي الكبرياء
عبق السحر كأنفاس الربى .. ساهم الطرف كأحلام المساء ٠
٠٠٠٠
هذه كانت تأملات في شخصية الإنسان و الشاعر الرومانسي الطبيب ابراهيم ناجي رائد جماعة أبولو

















