منذ 1 ساعة 0 71 0
سمية مدغري علويتكتب.. دور الصحافة الثقافية في حفظ الهوية الفنية للمغرب
سمية مدغري علويتكتب.. دور الصحافة الثقافية في حفظ الهوية الفنية للمغرب

في خضم هذا التسارع الرقمي المذهل الذي يعصف بيومياتنا، حيث تتسابق الأخبار السريعة وتتطاير المعلومات الخاطفة، تبدو الذاكرة الفنية الجماعية وكأنها تسير على حافة النسيان، غير أن بعض الشعوب لا تفرط في جذورها، ولا تتنكر لمن أسسوا لجماليات وجدانها وعطروا أيامها بالإبداع. ومن هنا تأتي الأهمية القصوى للصحافة الثقافية و الفنية لا سيما تلك المساحات الرصينة التي تحتضنها الملحقات الثقافية على صفحات الجرائد الوطنية؛ فهي ليست مجرد صفحات لتعبئة الفراغ، بل هي الحصن الأخير المتبقي لحراسة الذاكرة، والمختبر اليومي الذي يعيد الاعتبار لرواد الفن والأدب.

وحين نتأمل واقع الصحافة المكتوبة اليوم، ندرك تماما القيمة الاستثنائية التي تمثلها هذه الملحقات؛ باعتبارها الملاذ الآمن لكل كاتب وباحث يحمل هماً فكرياً وإبداعياً. فبينما يتسابق الإعلام السريع خلف السبق الآني المفرغ من العمق، تمنحنا الملحقات الثقافية المساحة الأرحب للغور في أعماق الظواهر الفنية، وتفكيك خبايا الأعمال الإبداعية، والاحتفاء بالقامة قبل غيابها. إنها الشاشة الحقيقية التي تنعكس عليها هيبة الثقافة الوطنية، ومشتل الأفكار الذي يُنبت وعياً جماعياً قادراً على التمييز بين الغث والسمين.

وحين كانت الكتابة عن الثقافة وفنونها تتطلب معرفة دقيقة، فإن الاحتكاك الميداني وحضور الندوات، ومواكبة المهرجانات، وتتبع تفاصيل الكواليس، يمنح الصحفي الثقافي عدسة مقربة تري ما لا يراه العابرون.

إن تتبع خطى الرواد والاقتراب من عوالمهم ليس مجرد مهمة مهنية عابرة، بل هو مخاض إنساني عسير؛ وهو ما لمسته بنفسي حين خضت رحلة شاقة وطويلة لتوثيق مسار قامة فنية كالمرحوم محمد الحياني من خلال كتابي "محمد الحياني: الوفاء والحنين". لقد كان هذا الإصدار ثمرة سنوات من البحث والتنقيب والوفاء لذاكرة فنية استثنائية، حيث علّمني عن قُرب أن توثيق التاريخ الفني يتطلب صبراً جباراً، وإيماناً مطلقاً بأن حفظ أثر المبدعين هو حماية لذاكرتنا الجماعية من التشتت.

اليوم، وأمام تحولات المشهد الإعلامي وتحدياته، تقع مسؤولية جسيمة على عاتق جيل من الصحفيين والكتاب الشباب.

إن الانتماء الحقيقي لمهنة الصحافة الثقافية لا يقاس فقط بعدد المقالات المنشورة، ولا بالبطاقات الرسمية، بل بالقدرة على إبقاء جذوة الوفاء مشتعلة.

إننا مطالبون بأن نكون أمناء على إرثنا الفني والأدبي، وأن ننقل للأجيال القادمة صوراً مشرقة لرموز أعطوا الكثير ولم يطلبوا شيئاً سوى أن يُحفظ لهم أثرهم الجميل و الطيب.

ختاماً، ستظل الصحافة الثقافية وملحقاتها، ومعها كل الأقلام الجادة التي ترتاد قاعات الندوات وتلامس خشبات المسارح وتقتفي أثر الرواد، هي السور المنيع الذي يحمي الهوية الفنية للمغرب من عواصف النسيان. لأن الأمم التي تخلد فنانيها ومبدعيها، هي وحدها القادرة على صناعة مستقبل يليق بتاريخها العريق.

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
سمية مدغري علويتكتب.. دور الصحافة الثقافية في حفظ الهوية الفنية للمغرب

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق

أخبار مقترحة

خبر عاجل نقيب الصحفيين يوضح ما يُثار حول تقديم شريف عامر أوراقه للقيد بنقابة الصحفيين