الهدهد وربوحة… حين كانت أمي تعرف كل شيء
التقطت هذه الصورة صباح اليوم، وأنا أعرف جيدًا ماذا ألتقط. لم تكن عدسة هاتفي تتجه إلى هدهد يقف في حديقة البيت فقط؛ كانت تمتد أكثر من ستين عامًا إلى الوراء، لتلتقط جزءًا من طفولتي.
تلتقط شرفة بيتنا القديم في شارعنا في بلطيم، وعمود الكهرباء المقابل لها، وطفلًا صغيرًا يقف إلى جوار أمه، وهي تشير إلى الهدهد وتقول له:
«شايف الهدهد ده؟»
كنت أنادي أمي «ربوحة»، وأحيانًا «يا ربوح»، بدلال طفل لا يعرف أن بعض الكلمات الصغيرة التي ينطق بها في طفولته ستصبح بعد عشرات السنين من أثمن ما يملك من الذكريات.
أما حكاية ربوحة نفسها، وما فعلته في حياتي، وما تركته في شخصيتي وطريقي، فهذه حكاية أخرى طويلة، لها وقتها.
أما اليوم، فأنا أكتب عن الهدهد.
كان عمري يومها ثلاث سنوات ونصفًا، وربما أقل قليلًا.
وكانت أمي رابحة تعلّمني الصدق.
لم تكن تحتاج إلى محاضرات طويلة؛ كانت تقول لي ببساطة:
«إياك أن تكذب… الكذب يغضب الله.»
ثم تضيف، بثقة الأم التي لا يحتاج كلامها إلى دليل:
«وأنا أعرف كل حاجة.»
كنت أصدقها.
فالأم في طفولتنا تعرف كل شيء.
ترى ما لا نراه، وتفهم ما لا نفهم، وتقرأ في وجوهنا أشياء لم نتعلم بعد كيف نخفيها.
لكن أمي كانت تملك، بالنسبة إلى طفل في مثل سني، دليلًا لا يمكن مناقشته.
كان عندها…
الهدهد.
كان بيتنا في بلطيم له شرفة كبيرة تطل على الشارع، وفي الجهة المقابلة عمود كهرباء اعتادت الطيور أن تقف عليه، وكان الهدهد يأتي إلى ذلك المكان كل صباح.
وفي أحد الأيام أخذتني أمي إلى الشرفة.
أشارت بيدها إلى العمود وقالت:
«شايف الهدهد ده؟»
نظرت.
كان أول هدهد أراه في حياتي.
أعجبني شكله.
ذلك التاج فوق رأسه، وألوانه، وهيئته المختلفة عن عصافير الجنة التي كنت أعرفها.
وقفت أتأمله بإعجاب الطفل.
ثم جاءت الجملة التي صنعت علاقتي بهذا الطائر لسنوات طويلة:
<<الهدهد ده بيشوفك… ولو عملت حاجة ومخبيها عني، هييجي يقولي>>
لم أحتج إلى أكثر من ذلك.
في لحظة واحدة أصبح الهدهد بالنسبة إليّ طائرًا أحبه وأخافه في الوقت نفسه.
أحبه لجماله…
وأخاف أن يفضحني.
كانت المسافة بين شرفتنا وعمود الكهرباء لا تزيد على سبعة أو ثمانية أمتار تقريبًا، وهي مسافة قصيرة تسمح لطفل في مثل سني أن يرى الهدهد جيدًا.
فإذا خرجت إلى الشارع وفعلت شيئًا لا ينبغي أن أفعله…
الهدهد يعرف.
إذا ذهبت إلى المدرسة وحدث مني شيء…
الهدهد يعرف.
إذا خرجت إلى أحد الدروس، ثم عدت إلى البيت وحاولت أن أخفي عن أمي شيئًا…
الهدهد يعرف.
كنت أتصور أن الهدهد بعد أن ينتهي من مهمته يعود إلى ربوحة، ويخبرها بكل شيء.
لم أكن أسأل كيف يفعل ذلك.
فالأطفال لا يحتاجون إلى المنطق عندما يتعلق الأمر بالأم.
يكفي أن تقول الأم شيئًا حتى يصبح في عالم الطفل حقيقة لا تقبل النقاش.
وهكذا صار الهدهد جزءًا من منظومة الصدق في حياتي.
لم أكن أفهم يومها معنى الضمير كما أفهمه الآن.
لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا:
لا تكذب على ربوحة… فالهدهد يعرف.
والأجمل أنني لم أكن أخاف الهدهد خوفًا كاملًا.
كان في قلبي له شيء من المحبة.
كنت أنتظر رؤيته.
أراقبه.
وأتأمل حركته.
وكان في داخلي، ربما، سؤال طفولي لا أستطيع أن أنطقه:
كيف يمكن لطائر جميل إلى هذا الحد أن يكون جاسوسًا؟
وهكذا اجتمع في قلبي شيئان متناقضان:
الحب والخوف.
أحب الهدهد…
وأخاف أن يعرف.
كبر الطفل.
ومرت السنوات.
خرجت من بلطيم إلى القاهرة.
وتغيرت البيوت والشوارع والأيام، وتغيرت أنا أيضًا.
لكن بعض الأشياء التي تسكن طفولتنا لا تعرف طريقًا إلى الرحيل.
كنت قد نسيت تفاصيل كثيرة من تلك السنوات، لكنني لم أنسَ شرفة ذلك البيت.
لم أنسَ عمود الكهرباء.
لم أنسَ يد أمي وهي تشير إلى الهدهد.
ولم أنسَ الجملة:
«الهدهد ده بيشوفك.»
ثم حدث ما لم أكن أتوقعه.
منذ سنوات انتقلت الي بيت جديد وأستيقظت ذات صباح.
ارتديت ملابسي، واتجهت إلى النافذة.
مددت يدي لأفتحها…
فوجدت الهدهد في حديقة البيت.
توقفت.
لم تكن دهشتي لأنه جاء إلى حديقة منزلي فقط.
كانت دهشتي أعمق من ذلك.
ففي لحظة واحدة، لم أعد الرجل الذي يقف أمام نافذة في القاهرة.
عدت طفلًا صغيرًا في بلطيم.
عدت إلى الشرفة.
إلى العمود.
إلى ربوحة.
إلى ذلك الصوت الذي ظل موجودًا في داخلي:
«شايف الهدهد ده؟»
ابتسمت.
ولم أجد شيئًا أقوله.
أحيانًا تكون الذكريات أبلغ من الكلام.
ومنذ ذلك الوقت، صار الهدهد يزور حديقة البيت من حين إلى آخر.
والطريف أنه لا يلتزم بموعد.
بل إنني أكاد أراه كل صباح.
إذا استيقظت الثامنة، وجدته.
وإذا استيقظت العاشرة، وجدته.
وإذا تأخرت في نومي، وجدته يبحث بين العشب عن طعامه.
ومع تكرار هذه المشاهدة، أصبح وجوده جزءًا من صباحي.
أفتح النافذة، فأبحث عنه قبل أن أبحث عن أي شيء آخر.
وحين أراه، أشعر بسعادة لا أعرف لها تفسيرًا كاملًا.
ربما لأنني أراه طائرًا جميلًا…
وربما لأنني أراه ذكرى جميلة جاءتني من بعيد.
فهو لا يأتي إلى حديقة البيت وحده؛ يأتي ومعه شيء من بلطيم، وشيء من الشرفة القديمة، وشيء من طفولتي، وشيء من صوت أمي.
ولذلك أصبحت رؤيته في أول النهار تمنحني فرحة صغيرة تسبق يومي كله.
كأن الصباح يقول لي، بمجرد أن أراه:
«ما زال في الدنيا شيء جميل ينتظرك.»
وأنا، منذ أن سكنت هذا البيت، اعتدت أن أضع شيئًا من الطعام للطيور؛ للعصافير والحمام واليمام.
لكن الهدهد له معاملة مختلفة.
هذا ليس مجرد طائر آتي إليه بالطعام.
هذا صديقي القديم.
ذلك الطائر الذي عرفته قبل أن أعرف معنى الصداقة، والذي أخافني وأنا طفل، ثم صار يطمئنني ويسعدني برؤيته وأنا رجل.
أحيانًا أنظر إليه وهو يبحث بين العشب، وأفكر في تلك الحيلة الجميلة التي صنعتها أمي.
ربما كانت تعرف أن الطفل لا يفهم المواعظ الطويلة، لكنه يفهم الحكاية.
فأعطتني طائرًا…
وجعلته شاهدًا.
وظل الدرس.
أما الهدهد، فقد بقي.
كبرت أنا، وتغيرت الدنيا، وابتعدت عن البيت الأول، لكن صورة ذلك الطائر بقيت معلقة في مكان ما من ذاكرتي.
وهنا أفهم شيئًا لم أكن أفهمه وأنا طفل:
الأم لا تزرع في أبنائها الكلمات فقط؛ أحيانًا تزرع فيهم رموزًا تبقى معهم العمر كله.
قد تنسى العبارة…
لكن لا تنسى الصورة التي رافقتها.
وأمي زرعت في داخلي صورة الهدهد.
واليوم، لو استطاع الهدهد أن يتكلم، لما طلبت منه أن يذهب إلى أمي ليخبرها أنني كذبت.
لقد كبرت.
ولم يعد خوفي منه كما كان.
لكنني ربما كنت سأقول له:
«اذهب يا هدهد… وقل لربوحة إنني ما زلت أذكر.»
قل لها إن الطفل الذي كانت تحذره منك صار رجلًا.
قل لها إنني ما زلت أعرف قيمة الصدق.
وقل لها إن الحكاية الصغيرة التي قالتها لطفل لم يتجاوز الثالثة والنصف بقيت معه حتى اليوم.
وقل لها شيئًا آخر…
قل لها إنني كلما رأيتك، أشتاق إليها،وإلي كل الذكريات .
لهذا أحب الهدهد.
ليس لأنه أجمل الطيور.
ولا لأنه يأتي إلى حديقة بيتي.
ولا لأن له ذلك التاج الصغير الجميل فوق رأسه.
أحبه لأنه يحمل جزءًا من زمن لا يعود.
يحمل شرفة بيتنا القديم.
يحمل شارعنا في
بلطيم.
يحمل صوت طفل صغير.
ويحمل، قبل كل ذلك، إشارة يد أم إلى طائر، صنعت من طائر عابر ذكرى لا تعبر.
كنت أخاف أن يذهب الهدهد إلى أمي فيخبرها أنني كذبت.
أما الآن، وبعد كل هذه السنوات، فقد تبدل خوفي.
لم أعد أخاف أن يشي بي الهدهد…
أخاف فقط أن يأتي يوم فلا أراه.
لأن غيابه لن يكون غياب طائر عن حديقة.
سيكون غياب نافذة صغيرة كنت أطل منها، كلما رأيته، على طفولتي.
ولهذا، حين يأتي…
أتركه يأكل.
لا أطرده.
لا أحاول أن أقترب منه.
أكتفي بأن أنظر إليه من بعيد.
ثم أبتسم وأقول في سري:
«كل يا هدهد… فقد كبرت أنا، لكنك ما زلت تعرف الطريق إلى طفولتي.»
وأعود إلى نافذتي.
وفي مكان بعيد من القلب، أسمع صوتًا قديمًا:
«إياك أن تكذب… الكذب يغضب الله.»
فأبتسم.
وأعرف أن بعض الأمهات لا يغادرن أبناءهن أبدًا.
حتى بعد أن يكبر الأبناء، تظل الأم تسكن في تفاصيل صغيرة لا ينتبه إليها أحد.
مرةً في كلمة.
ومرةً في رائحة بيت.
ومرةً في شرفة قديمة.
ومرةً…
في هدهد.



















