منذ أن خط الإنسان أولى حروفه على ألواح الطين، وهو مسكون بوهم المبدع الأول، يظن واهما أنه يقتنص المعنى من عدم، ويطوّع الحقيقة في قالب لم يسبقه إليه أحد، غير أن النظرة الفاحصة والمتأملة في واقع المشهد الأدبي الراهن تكشف عن أزمة بنيوية حادة تسمى أزمة جماعة من الكتاب غلبت عليهم لوثة "الغرور الإبداعي"، فظنوا أنهم يمتلكون زمام الكلمة، وقدسوا نصوصهم كأنها وحي يوحى، غافلين عن حقيقة عارية ومؤلمة جدا، وهي أن ما يكتبونه ليس سوى صدى لصدى، وإعادة تدوير لوعي جمعي استقر في عقولهم الباطنة عبر ما قرأوا أو سمعوا أو شاهدوا.
إننا نعيش اليوم زمنا أدبيا يعاني من " تخمة الاستنساخ " مغلفة بـ " شيزوفرينيا التفرد "، فما الذي يتبقى من الكاتب حين نجّده من وهم الأصالة المطلقة؟ وكيف تحول النص من مساحة للمساءلة والبحث إلى صنم يقدسه صاحبه؟.
وثنية النص ووهم "الامتلاك المطلق"
إن أشد ما يصيب الكاتب من وهن نفسي ومعرفي هو أن يقع في حب أدواته، فيتحول من "معبر" عن الفكرة إلى "حارس" لها. هؤلاء الذين يذودون عن نصوصهم بعنجهية مفرطة، ويرون في نقدها مساسا بالذات، إنما يدارون ضعفا داخليا سحيقا، فالغرور الأدبي هو القناع الذي يرتديه العجز حين يعجز عن مجاراة الحقيقة، حقيقة أن الكلمة كائن حي، بمجرد أن تخرج من قلم الكاتب تصبح ملكا للقارئ وللتأويل، ولا سلطة للأديب عليها.
هذا الغرور يعمي الكاتب عن رؤية نصه بحجمه الطبيعي. فالنص ليس جزيرة معزولة، بل هو حلقة في سلسلة ممتدة منذ بدء الخليقة. وتقديس النص هو محاولة يائسة لمنع التفكيك، خوفا من أن يكتشف الكاتب قبل القارئ أن هيكل نصه الإبداعي مبني من حجارة بيوت أخرى.
وليس ثمة نبت شيطاني في الأدب فكل ما يُكتب اليوم، وكل ما قيل بالأمس، وما سيقال غدا، يقع تحت طائلة المفهوم النقدي الشهير.
إن العقل البشري عبارة عن إسفنجة كبرى يمتص المشاهدات، القراءات، الحكايات اليومية، والأساطير المورثة. وحين يجلس الكاتب ليمارس فعل الكتابة فهو لا يخلق معدنا جديدا، بل يعيد صهر المعادن القديمة في قالب جديد إذا كان يمتلك الموهبة أصلا.
فأين هو الجديد الذي يتبجح به أدعياء التميز؟ إن الكلمات التي يظنون أنهم امتلكوا زمامها هي محض "ادعاء"، لأنها في جوهرها مستعارة، هذا إذا افترضنا جدلاً أنهم يقرأون، أما الطامة الكبرى فتكمن في جيل من أشباه الكتاب الذين يستسهلون الصنعة، فيكتبون بلا رصيد قرائي، لتخرج نصوصهم باهتة، سطحية، وتكرارا مشوها لأسوأ ما أُنتج في الثقافة الاستهلاكية.
إذا نظرنا بمرآة النقد الفاحصة إلى ما يغص به المشهد الأدبي الراهن، سنخرج بنتيجة صادمة هي أننا نعيش حالة من الركود الإبداعي المقنع بغزارة الإنتاج، فهناك مئات الروايات والدواوين والقصص التي تصدر سنويا، لكن كم منها يحمل زلزلا أو لنقل هزة معرفية أو جمالية حقيقية؟
إن الساحة الأدبية حاليًا تدور في حلقة مفرغة لعدة بفضل منصات النشر الذاتي ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحول الجميع إلى كتاب، وغاب الغربال النقدي، وأصبح الكاتب يكتب انطلاقا من تجربته الذاتية الضيقة (التي لا تتعدى بضعة أمتار مربعة من واقعه الافتراضي)، دون الاتكاء على خلفية فلسفية أو تاريخية ضخمة، وتكرار الثيمات ذاتها (الغموض البوليسي المفتعل، الرومانسية السطحية، أو السوداوية المجانية) دون تقديم رؤية وجودية عميقة.
لقد أصبح المشهد أشبه بمقبرة للأفكار المعاد تدويرها، يعاد طلاؤها بألوان براقة لتباع في سوق الوهم، بينما يقف الاديب على أطلال نصه، منفوخ الأوداج، ينتظر التصفيق لقصيدة أو رواية سرقت فكرتها وعيا أو دون وعي من رواية عالمية أو فيلم سينمائي شهير.
أخيرا ان الألم لكبير وان الجرح لعميق وإن المخرج الوحيد من هذا المستنقع الآسن يبدأ من اعتراف الكاتب بجهله ونسبية إبداعه ولو بينه وبين نفسه على الأقل، وعلى الكاتب أن يخلع عباءة القداسة ويمزق صنم الغرور، فليس ثمة جديد مطلق تحت الشمس، والتميز لا ينبع من ادعاء ملكية الكلمة، بل من طريقة صياغة هذه الكلمة المشتركة وتوجيهها لخدمة الإنسان والجمال.
الكتابة الحقيقية هي فعل تواضع، اعتراف بأننا مجرد قنوات تعبر من خلالها تجارب البشرية السابقة، ومتى ما أدرك الكاتب أنه ليس (الخالق الأول) للنص، بل هو المعيد لترتيب الفوضى، حينها فقط قد نرى بارقة أمل لولادة جديد حقيقي في مشهد أدبي أنهكه الادعاء ونال منه شيطان الغرور.
















