من العدد الورقى
كتب - أحمد زكى شحاتة
ككل فتاة، حين تحتضن دميتها كل ليلة وتخلد إلى النوم تستسلم للحلم الأبدي أن يخطفها الفارسُ فوق حصانٍ أبيض وتحيا في قصرٍ جدرانه من الزمرد والألماس، لكنها ما إن بلغت الحادية عشرة من عمرها وداعبها خرّاطُ الصبايا، حتى وجدت نفسها في موضع المسؤولية، إذ كانت "فايزة" وشقيقتها الكبرى "فكيهة" مطالبتين بتوفير لقمة عيش لأبويهما الطاعنين في السن وشقيقاتهما الأربع و"حسن" آخر العنقود وسند البنات الست في الحياة وخليفة الأب المنوط به فتح البيت بعد عمرٍ طويل.
فايزة عبده حسن حلوسة، اقتحمت سوق العمل تُزاحمُ الرجالَ كعامل بناء، في موقف الحافلات، ألقت نظرة سريعة على تمثال رمسيس، الجد الأعظم، كأنها تستمد منه العزم والإصرار على مواصلة الكفاح، ثم استوقفت شابًا وطلبت منه أن يصف لها العنوان المكتوب في وريقةٍ صغيرة، فكان رده غاية في قلة الذوق وعدم الاحترام، فأسرّتها في نفسها ولم تعقّب، وزال شغفها بالقاهرة وفي جزء من الثانية فكرت أن تعود أدراجها، وفي الجزء الآخر اتخذت قرارها بالعودة من حيث أتت إلى قريتها الصغيرة "القصابي" التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ، وأقسمت ألّا تطأ القاهرة إلى بعد أن تمحو أميتها وتتعلم القراءة والكتابة.
انتظمت في فصول محو الأمية، حتى حصلت على شهادة في محو الأمية، وفي أحد الأيام، كانت تعمل في مصنع للطوب الأحمر، تستقبل القوالب الحارة بـ"نار الفرن" بيديها اللتين أكل عليهما الزمان وشرب ثم ترصها بعناية في مقطورة زراعية، ويومًا بعد يومٍ يزداد إعجابها بعجلة القيادة التي يجلس أمامها شخصٌ مهندم لا يعرف الشقاء إلى كفيّه سبيلًا، فطلبت منه أن يعلمها القيادة، فانبهر حين اكتشف إصرارها على تعلّم القيادة.
وفي إدارة المرور، دُهش الضباط والأمناء والجنود، بهذه الفتاة التي تقدمت بطلب للحصول على رخصة قيادة مهنية، اجتازت الاختبار بنجاح وحصلت على الرخصة لتصبح "الأسطى فايزة" أشهر فتاة تقود سيارة نقل.
في يوم المرأة العالمي، تحتاج بلادُنا ألفَ فايزة وفكيهة لنعيدَ بناء وطننا، لا نحتاج إلى أولئك اللواتي يطلقن على أنفسهن strong independent woma، لأن المرأة القوية المستقلة الحقيقية هي فايزة وفكيهة ومَن على شاكلتهما.
فايزة لم يعد لها في الحياة سوى أمنية واحدة، تطالب بها كلّما أطلت على شاشة من الشاشات: أن تقابل رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، فهل يحقق لها الرئيس مطلبها؟، لا سيما وأنه يشجع مثل هذه النماذج، التي تذكرنا دومًا ودائمًا بـنساء البنايات المحطمة اللائي نجحن في العبور بألمانيا إلى بر الأمان في أقل من 20 عامًا، عقب استسلام بلادهن للحفاء في العام 1945، إذ استطعن النهوض ببلادهن لتصبح في 1965 واحدة من الدول الصناعية الكبرى، بفضل شبيهات فايزة وفكيهة، وليس الـ strong independent woman اللواتي يتفنن كل يومٍ في استعراض قوى وهمية، مستغلاتٍ ثغراتٍ في قوانين الأحوال الشخصية.
أحمد زكي شحاتة


















