كتب - سمية مدغري علوي
تتجدد مواعيد الذاكرة الوطنية والفنية كل عام مع محطات استحضار أعلام كبار صنعوا مجد الأغنية المغربية الأصيلة وهندسوا وجدان أجيال متعاقبة، ومن بين هذه الأسماء الراسخة في عمق الوجدان ، يبرز اسم الفنان الراحل محمد الحياني الذي شكل صوته الدافئ وإحساسه المرهف علامة فارقة في تاريخ الموسيقى المغربية الحديثة.
صدى الروح وثنائيات الزمن الجميل
في الثامن والأربعين ربيعاً من القرن الماضي، وُلِد الفنان محمد الحياني حاملاً معه نبوءة فنية ستغير شكل الأغنية المغربية العصرية. فلم يكن الحياني مجرد مطرب يؤدي الكلمات، بل كان مهندساً للصوت والأداء، قادراً على تطويع القوافي والقصائد لترسخ في أذهان المستمعين بفضل صدق تعبيره وسمو أدائه الجمالي.
ولعل سر نجاح وتميز تجربة الحياني يكمن في تعامله الراقي مع قمم الكلمة واللحن؛ حيث نسج ثنائيات فنية أثمرت أروع الاغاني. فقد تعاون مع قامات من شعراء وزجالين وملحنين كبار تركوا بصمات لا تمحى، من أمثال الشاعر الغنائي علي الحداني، والشاعر عبد الرفيع الجواهري، والموسيقار عبد السلام عامر، والملحن حسن القدميري، والملحن عبد القادر وهبي، وغيرهم ممن شكلوا معه مدرسة طربية قائمة الذات.
وبفضل هذا الألق الفني، لم يقف إشعاعه عند حدود الوطن، بل حظي بتكريمات رفيعة وتوشيحات بأوسمة تقديرية من طرف ملوك ورؤساء العديد من الدول العربية الذين قدروا قيمته الفنية كرمز أصيل للطرب المغربي.
روائع خالدة واحتفاء إعلامي متجدد
لا يمكن الحديث عن مسار "عندليب المغرب" دون الوقوف عند محطات فنية كبرى بصمت تاريخ الفن المغربي بمداد من نور؛ حيث أطرب الملايين بروائع خالدة مثل "راحلة"، "ياك الجرح برا"، "بارد وسخون"، "وقتاش تغني يا قلبي"، "يا سيدي أنا حر"، "إنتي ليا"، "مستحيل"، و*"دنيا"*.
وعلى مر العقود، ظلت روح الحياني حاضرة في الوجدان الإنساني والثقافي؛ إذ أفردت له الجرائد الوطنية اليومية والمجلات الثقافية مقالات وملفات تكريمية تناولت مساره، كما خصصت البرامج الإذاعية والتلفزيونية حلقات استعادت رصيده الخالد وأصالته.
ليلة الوفاء و وفاء القلم
ولأن الكبار لا يغيبون، شهد مسرح محمد السادس بالصخور السوداء بالدار البيضاء سنة 2007 تظاهرة فنية استثنائية تحت عنوان "ليلة الوفاء لروح الفنان محمد الحياني"، من تنظيم جمعية التكامل للثقافة والفن. وقد عرف الحفل حضور ثلة من الفنانين الذين تغنوا بربيرتواره، وشهد لحظات إنسانية مؤثرة أثناء استقبال ابنته الآنسة حسناء الحياني بحرارة وسط تصفيقات الحاضرين تكريماً لروح والدها الراحل.
وتتويجاً لمسار الحفظ والتوثيق لما أسداه عندليب المغرب، صدر سنة 2010 كتاب "محمد الحياني: الوفاء والحنين" للباحثة والصحفية سمية مدغري علوي، والذي أقيم حفل توقيعه رسمياً بتاريخ 23 أكتوبر 2010 مصادفةً لذكرى رحيله، حفل التوقيع بحضور كريمة الراحل، الثانية حسناء الحياني إلى جانب نخبة من الأساتذة الجامعيين، والصحفيين، وكبار الفنانين الذين أبوا إلا أن يتركوا بصمتهم في هذا الحدث الثقافي البارز، في ظل تغطية إعلامية متميزة من طرف الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية التي واكبت هذا التكريم، ليكون الكتاب بمثابة وثيقة وفاء وثاقاً لإرث قامة استثنائية.
الترجل المرّ.. والبقاء الأبدي
في الثالث والعشرين من أكتوبر سنة 1996، أفل نجم محمد الحياني وتوقف القلب الذي طالما غنى للحب والوطن، تاركاً وراءه رصيداً غنياً وحزناً عميقاً. رحل الحياني باكراً، لكن صوته ظل عصياً على النسيان، يرفرف في فضاء الذاكرة الجماعية.
إن الاحتفاء بمحمد الحياني اليوم ليس مجرد ترف وجداني، بل هو واجب إثبات الذات الثقافية، وتذكير للأجيال الصاعدة بأن الأغنية المغربية تملك جذوراً عميقة تعهدها رواد عظماء ضحوا بأعمارهم ليبقى الفن المغربي شامخاً ومتألقاً.





















