ليست كل الأقدار أشياء تهبط على الإنسان من الخارج. أحيانًا يكون القدر الذي نواجهه في نهاية الطريق هو مجموع قرارات صغيرة اتخذناها في بدايته، ثم واصلنا السير من دون أن نلتفت إلى المسافة التي صنعتها تلك القرارات بيننا وبين الشخص الذي كنا نريد أن نكونه.
من هذه الفكرة يمكن الاقتراب من رواية «بغداد في ليلتها الأخيرة» للكاتبة أمجاد معد حسيب، الصادرة عن دار جيم للنشر والتوزيع، بوصفها نصًا يشتغل على سؤال الاختيار ومسؤولية الإنسان عن الطريق الذي انتهى إليه.
تضع الرواية شخصية نصر أمام سلسلة من التحولات المتسارعة. في ليلة واحدة تقريبًا، يجد نفسه أمام انهيار العالم الذي كان يعرفه: النظام يسقط، الحراس يهربون، المصنع يتعرض للنهب، والزوجة تختفي حاملة معها الثروة. لكن أهمية هذه التحولات لا تكمن في كونها أحداثًا خارجية فحسب، وإنما في أنها تدفع الشخصية إلى طريق لم تكن لتسلكه بالطريقة نفسها لولا ما سبقها من اختيارات.
وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيدًا من مجرد: ماذا حدث لنصر؟
السؤال الحقيقي هو: كيف وصل نصر إلى هذه النقطة؟
وهذه واحدة من أكثر الأسئلة أهمية في بناء الشخصيات الروائية؛ لأن الشخصية العميقة ليست تلك التي تحدث لها الأشياء فقط، بل تلك التي نستطيع أن نتتبع داخلها سلسلة الأسباب التي قادتها إلى لحظتها الحاسمة.
في «بغداد في ليلتها الأخيرة»، يبدو الطريق إلى القرية وكأنه طريق جغرافي، لكنه في مستوى آخر طريق تتجمع فيه نتائج سنوات كاملة. فكلما ابتعد نصر عن بغداد، اقترب أكثر من ماضيه، وكلما حاول أن يبدأ رحلة جديدة، وجد نفسه أمام نتائج رحلات سابقة.
وهنا تبرز فكرة القرار المؤجل.
هناك قرارات لا نرى نتائجها فورًا. قد يبدو القرار في لحظته عابرًا، لكن تأثيره يتراكم بمرور السنوات حتى يصبح من الصعب فصل الحاضر عنه.
وهذا ما يمنح الرواية بعدها الإنساني؛ إذ لا تقدم حياة الشخصية باعتبارها سلسلة أحداث منفصلة، وإنما باعتبارها شبكة من الأسباب والنتائج.
الإنسان، في هذا التصور، لا يعيش فقط ما يحدث له، بل يعيش أيضًا ما صنعته اختياراته السابقة.
وهذا لا يعني أن الرواية تقدم الإنسان بوصفه مسؤولًا عن كل ما يحدث له؛ فثمة ظروف أكبر من الفرد، وثمة لحظات تاريخية تفرض نفسها بقوة على حياة الناس. لكن التوتر الحقيقي ينشأ من المنطقة الواقعة بين ما يفرضه العالم علينا وما نختار نحن أن نفعله داخله.
وهذه المنطقة هي التي تجعل الشخصية الروائية مثيرة للاهتمام.
ففي لحظات الانهيار، لا يعود الإنسان قادرًا على الاختباء خلف الظروف بسهولة. حين تسقط الأشياء الخارجية التي كانت تمنحه الأمان، تظهر طريقة تفكيره، ومخاوفه، وقدرته على اتخاذ القرار.
ولهذا يمكن النظر إلى ليلة بغداد الأخيرة في الرواية باعتبارها اختبارًا للشخصية أكثر من كونها خلفية للأحداث.
إنها لحظة تختبر قدرة الإنسان على إعادة تعريف نفسه عندما تختفي القواعد التي اعتاد أن يعيش في ظلها.
ومن اللافت أن الرواية لا تجعل رحلة نصر تنتهي بمجرد الخروج من بغداد. على العكس، الخروج يفتح الطريق إلى مواجهة أكثر تعقيدًا. وكأن الرواية تقول إن تغيير المكان لا يكفي لتغيير المصير إذا بقيت جذور المشكلة داخل الإنسان.
فالطريق الجديد لا يبدأ دائمًا من الصفر.
أحيانًا نحمل الطريق القديم معنا.
وهنا تتخذ العودة إلى القرية معنى مختلفًا. إنها ليست مجرد عودة إلى مكان الطفولة، وإنما عودة إلى نقطة سابقة في مسار الشخصية؛ إلى مكان ترتبط به قرارات وأحداث كان لها أثر طويل في حياتها.
وكأن الرواية تعيد الشخصية إلى إحدى محطات حياتها لتسألها: ماذا فعلت منذ ذلك اليوم؟
وهذا السؤال مهم لأن الإنسان غالبًا ما يتذكر النتيجة وينسى الطريق الذي قاده إليها.
قد يقول: «انتهى بي الأمر هنا»، لكنه لا يتوقف دائمًا عند سلسلة اللحظات التي أوصلته إلى هنا.
الأدب يستطيع أن يفعل العكس.
إنه يعيد ترتيب الطريق أمامنا، ويجعلنا نرى العلاقة بين اللحظات التي تبدو منفصلة في الحياة.
ومن هنا تأتي أهمية الشخصيات المحيطة بنصر؛ فوجود مريم وجليلة ومهيب والأب والعم لا يعمل فقط على توسيع دائرة الأحداث، بل يكشف أن القرارات الفردية لا تعيش في فراغ. قرار شخص واحد يمكن أن يغيّر حياة آخرين، والنتائج لا تتوقف عند صاحب القرار.
وهذا يجعل المسؤولية في الرواية مسألة تتجاوز الفرد إلى شبكة العلاقات الإنسانية.
فالقرار الشخصي قد يتحول إلى حدث جماعي، والخطأ الواحد قد يترك أثرًا في أكثر من حياة.
وهنا يقترب النص من سؤال فلسفي شديد الأهمية: إلى أي حد نملك حياتنا فعلًا؟
هل نحن أصحاب اختياراتنا بالكامل، أم أن الظروف والعائلة والبيئة واللحظات التاريخية تشارك في صناعة خياراتنا؟
لا تقدم الرواية إجابة مباشرة، وهذا تحديدًا ما يجعل السؤال أكثر حضورًا.
فالرواية الجيدة لا تحتاج دائمًا إلى أن تمنح القارئ موقفًا نهائيًا؛ يكفي أن تضعه أمام مأزق لا يستطيع تجاوزه بسهولة.
وفي «بغداد في ليلتها الأخيرة»، يبدو المأزق قائمًا بين الحرية والظرف، بين الاختيار والنتيجة، وبين الإنسان الذي يعتقد أنه يقود حياته والإنسان الذي يكتشف متأخرًا أن بعض قراراته قادته أكثر مما قادها هو.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الرواية باعتبارها تأملًا في ثمن الاختيار.
فالحرية ليست فقط القدرة على أن نختار، وإنما القدرة على تحمل ما يأتي بعد الاختيار.
وهذه الفكرة تمنح الأحداث بعدًا يتجاوز التشويق؛ لأن القارئ لا ينتظر فقط معرفة ما سيحدث لنصر، بل يبدأ بالتساؤل عن العلاقة بين ما يحدث له وما فعله في مراحل سابقة من حياته.
وهنا تكمن قوة السؤال الروائي: ليس «من المخطئ؟» فقط، وإنما «كيف وصلنا جميعًا إلى هذه النقطة؟».
إنها نقلة من الحكم على الشخصيات إلى محاولة فهم مساراتها.
وبهذا المعنى، تفتح «بغداد في ليلتها الأخيرة» بابًا لقراءة الإنسان بوصفه كائنًا يصنع مصيره بصورة جزئية، ثم يكتشف أن الجزء الذي صنعه قد يصبح في لحظة ما أقوى من قدرته على تغييره.
قد تنتهي ليلة.
وقد يسقط عالم كامل.
وقد يغادر الإنسان مكانه.
لكن السؤال الأصعب يبقى قائمًا: ماذا نفعل بكل القرارات التي أوصلتنا إلى اللحظة التي نقف فيها الآن؟
ربما هنا تحديدًا تكمن إحدى دلالات الرواية؛ فبعض النهايات لا تكون نهاية لحكاية، وإنما نتيجة متأخرة لبدايات لم ننتبه إلى خطورتها عندما بدأت.














.jpeg)


