كتب ـ سمير البحيري
في ذكرى تحرير سيناء 25 أبريل، من كل عام، يتبادر إلى ذهن كل مصري مباشرة، إسم الزعيم الراحل محمد أنور السادات، فهو من قاد حربا وانتصر، وصنع سلاما فاغتنم، بتكتيك مفاجئ خرج منه بمكاسب عديدة، على رأسها استعادة الأراضي المحتلة، ليتبوأ مكانة عالمية وضعته في مصاف زعماء العالم الكبار، ناقلا مصر من دائرة الدولة المنكسرة المهزومة إلى دائرة أوسع وأرحب عالميا، رافعة رأسها بشموخ، حتى أن السادات بقى حتى رحيله نجم شباك عالمي كزعيم لايشق له غبار، تتسابق وسائل الإعلام العالمية للظفر بحديث معه، أما ما حّير مخابرات العالم أجمع هو تكتيكه الذي فاجئهم به، والصدمة التي أحدثها لوكالة المخابرات الأمريكية " CIA " والموساد، وأربك خططهم التي كانوا بدأوا فيها بالفعل بانتهاء حرب أكتوبر 1973 .
وفي خطاب السادات التاريخي أمام مجلس الشعب المصري في 16 أكتوبر عام 1973 معلناً انتصاره في المعركة، حيمنا قال جملة في غاية الأهمية التي لم يلتفت إليها أحد سوى إسرائيل، وأنهى بها حربا كانت تعد لها، عقب خسارتها في حرب رمضان المجيدة.
رسالة واضحة
الفقرة الكاملة التي وردت بخطاب السادات، وبها تلك الجملة تقول " أقول لكي يسمعوا في إسرائيل أننا لسنا دعاة إبادة كما يزعمون " ثم كررها ، " إننا لسنا دعاة إبادة كما يزعمون" إن صواريخنا المصرية عابرة سيناء من طراز " ظافر " موجودة الآن على قواعدها مستعده للانطلاق بإشارة واحدة إلى أعماق الأعماق في إسرائيل ولقد كان في وسعنا منذ الدقيقة الأولى للمعركة أن نعطي الإشارة ونصدر الأمر خصوصا أن " الخيلاء والكبرياء الفارغة أوهمتهم بأقدر مما يقدرون على تحمل تبعاته لكننا نقدر مسؤولية استعمال أنواع معينه من السلاح ونرد أنفسنا بأنفسنا عنها وإن كان عليهم أن يتذكروا ما قلته يوما وما زلت أقوله " العين بالعين والسن بالسن والعمق بالعمق".
الجملة كانت واضحة وفهمتها إسرائيل وهي أنها لو " شنت حرب مدن وقصفت أهدافا مدنية واستراتيجية في المحافظات المصرية والعمق المصري فمصر قادرة على المواجهة والرد بعنف والوصول لقلب المدن الإسرائيلية "، لكن لماذا قال السادات تلك الجملة؟.
عيون لا تنام
الإجابة تقول: إن هناك شواهد ومعلومات استخباراتية وصلت القيادة السياسية والعسكرية المصرية، فهي عيون لا تنام تؤكد أن إسرائيل تّعد لحرب مدن وقصف وضرب أهداف مصرية استراتيجية بعد خسائرها المتلاحقة على الجبهة، بهدف خلخلة الروح المصرية وتشكيك الشعب في انتصار جيشه وتخفيف القتال على الجبهة وإجبار الجيش المصري على القبول بوقف إطلاق النار، ولعلنا نذكر " معركة المنصورة الجوية في 14 أكتوبر 1973 حيث حاولت القوات الجوية الإسرائيلية تدمير قواعد الطائرات في طنطا، والمنصورة، والصالحية "، لكي تحصل على التفوق في المجال الجوي مما يمكنها من تحقيق انتصار معنوي تخفف به حدة خسائرها وتوقف التفوق الجوي المصري، وبعدها تنفرد بقواتنا على الأرض حيث لن يكون هناك حماية جوية لها في محاولة منها لتكرار ما حدث في يونيو 67 ، وهو ما فطنت له مصر بحسب معلومات ورادة إليها، لتتفاجأ إسرائيل ببسالة وآداء القوات الجوية المصرية، واستدراج طائرتها المعتدية فوق البحر المتوسط مقابل الدلتا حتى لتكون أرواح المدنيين عرضة لخطر الموت.
ويقول اللواء نصر سالم الخبير العسكري في تصريحات سابقة، أنه استنادًا لمعلومات موثقة " فقد اشتبكت في تلك المعركة 180 طائرة مقاتلة في آن واحد، معظمها تابع لإسرائيل وأذاع راديو القاهرة البلاغ رقم 39 والذي جاء فيه " لقد دارت اليوم عدة معارك جوية بين قواتنا الجوية وطائرات العدو التي حاولت مهاجمة قواتنا ومطاراتنا وكان أعنفها المعركة التي دارت فوق شمال الدلتا ودمرت خلالها قواتنا للعدو 15 طائرة، وأصيب لنا 3 طائرات كما تمكنت وسائل دفاعنا الجوي من إسقاط 29 طائرة للعدو، وبذلك يكون إجمالي خسائر العدو من الطائرات في معارك اليوم 44 طائرة.
المفاجآة الصادمة
وبانتهاء حرب رمضان المجيدة وانكسار اسرائيل عسكريا ومعنويا، حتى أن جولدا مائير بكت بحرارة وهي تتوسل إلى شعبها أن يصمد، ولا ينهار معنويا، كان السادات يتجه لتكتيك آخر، بعدما استرد كبرياء مصر وجيشها الباسل، بأن يصفع إسرائيل الصفعة الكبرى، بالذهاب إليهم في عقر دارهم طالبا السلام، وهو في موقف قوة لا ضعف، وهي الخطوة التي لاقت معارضة عربية شديدة، في الوقت الذي كانت مصر درستها جيدا بل ووضعت احتمالين لرد الفعل الإسرائيلي الاحتمال الأول " أن يوافق الساسة الإسرائيلون على العرض ويدخلون مع مصر في مباحثات مباشرة لإحلال السلام " ، والإحتمال الثاني " أن ترفض إسرائيل في محاولة لكسب الوقت لشن حرب جديدة تستعيد بها كرامتها خاصة أنها استيقظت على وهم كبير بتحطيم خط بارليف التي كانت لا تتوقع انهياره في دقائق معدودة أمام جحافل القوات المسلحة المصرية الباسلة "، وهو الإحتمال الذي استبعدته مصر بأنه لن يحدث، وأنهم حتما سيوافقون على معاهدة سلام، وبالفعل كانت ردود أفعال الإسرائيلين ممزوجة بالفرحة التي شابها الإرتباك، لكنها في النهاية كانت تتمنى خطوة جبارة مثل هذه لتذعن في النهاية وتسلم بالأمر الواقع متخلية عن أراضينا ونحن في موقف قوة لا ضعف.
يوم 26 يوليو 1979 ، كان يوما مشهودا في تاريخ مصر، وفي تاريخ السادات السياسي كرئيس، حيث كانت وسائل الإعلام العالمية، تنقل على الهواء مباشرة، أهم حدث فى الشرق الأوسط.. وهو رفع العلم المصرى فوق العريش بعد انسحاب الإسرائيليين منها.عندما ذهبت إليه الطفلة " عزة سعيد لطفي " من ابناء سيناء وكان عمرها وقتها 6 سنوات،وهي سيدة تبلغ من العمر الآن 57 عاما الآن، حاملة بوكية ورد في يديها لتعطيه للزعيم الراحل فقال لها " شكرا.. شكرا " سمعها الجميع على الهواء مباشرة، ليبدأ البطل مراسم رفع العلم، عندما تقدم الفريق أول كمال حسن على حاملاً علم مصر على يديه، ليقدمه للرئيس، وعندما تسلم الرئيس السادات علم مصر قبله، " فغمرت الدموع عينيه، وظلت الدموع تملأ عين الرئيس وهو يرفع العلم المصرى فوق العريش". ليرحل السادات بعدها بعامين عندما اغتالته يد الخونة الآثمة، تاركا بصمة في التاريخ المصري ستبقى الأبرز على مر التاريخ.
















