الاربعاء, 08 ابرايل 2020 07:04 مساءً 0 573 0
حسين مُسلم يكتب.. الخلق بين إحساني وحلمي وسلطاني
حسين مُسلم يكتب.. الخلق بين إحساني وحلمي وسلطاني

 

إن الحق سبحانه وتعالي خلق لكم الوجود بمحض فضله وإحسانه قبل وجودكم، ولما استوي واستقام الوجود علي الكمال، وضع لكم فيه ميزان الشرائع لتحميكم من سطوة غضبه، فأخرج هذا الوجود كل ما فيه من جمال ليخدمك لا لتخدمه، فقد أظلكم بسماء ذات أبراج وفيها النور، وأقلكم بأرض ذات فجاج، وفيها معاشكم، ثم لاطفكم بعظيم بره، وواسع فضله، فجعل في الأرض حدائق ذات بهجة وفيها من الطعام أطيبه، ومن الزهور أبدعها، ومن الروائح أزكاها، ثم نوّع لكم موارد إحسانه؛ لتشعروا بعظيم اعتنائه بكم، وملاطفته لكم.

 

كل هذا الجود والنعيم ليتودد إليكم، ولتتعرفوا عليه بأنه رب ودود كريم محسن منعم متفضل، ثم تشهدوه وتعبدوه علي يقين، أحبوا الله لما يغمركم به من نعم، ولأنك الخليفة له، فأنت سيد هذا الوجود، جمله لك لا لتنشغل به بل لتنشغل بمن منحك كل هذا الجود، فقد أولاك الرعاية والاهتمام، وأجلّك عن الأكوان، فلحضرته خلقك، وإليها طلبك، وبجواذب عنايته جذبك، لأنك عبد الحضرة، وهذا سر تكريمك، وحذرك من الالتفات إلي غيره، والاعتماد إلا عليه، ومن الثقة إلا فيه.

 

لكم حذرك أن يشغلك شاغل عنه، فإنه سبحانه يغار عليك أن يجدك عند غيره، "عبدي أنا لك محب فبحقي عليك كن لي محبا"، فلما أمنت العقوبة أسأت الأدب مع حضرته، فكم غرك حلمه وستره عليك، وصرفت قلبك ووجهك عنه، فكم يدعوك لحضرته، وتأبي إلا الهجر.

 

ولكم يدعوك لساحة إحسانه وتابي إلا الغدر، ما أنصفني ابن آدم يرفع يديه إليّ بالدعاء فاستحيي منه أن أرده ولا يستحيي مني، فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ولكن أين يفر الآبق مني أم إلي أين يذهب العاصي عني، أليست القيامة تجمعه، وإلي مرجعه، فأحاسبه محاسبة الديان يعلم خفيات الأسرار، فبجلالي حلفت وبعزتي أقسمت لو شئت أضرمت الثوب الذي علي جسده نارًا فيحترق، ولكن أؤخره ليوم تشخص فيه الأبصار، وتنقطع فيه الأعذار، فبئس العبد عبد تعدي وعصي، وبئس العبد عبد جني وتواني عن التوبة، عبد أصر علي الجهالة، وضيع عمره في البطالة، نهاره لهو، وليله سهو،  بئس العبد يعلم أن مولاه يراه وهو يبارزه بالمعاصي ولا يخشاه، ونعم المولي، مولي سترك بستره، ولاطفك ببره، مولي يقبل الحسنا، ويعفو عن السيئات، مولي إن أطعته شكر، وإن عصيته ستر، وإن تبت إليه قبل وغفر .

 

مولي يغفر ذنوب العمر بتوبة ساعة، ثم يبدل كل سئه طاعه، فنعم المولي ونعم النصير، فهو صاحب العزة والجبروت، والسلطان الدائم، الحكم حكمه، والأمر أمره، والتقدير تقديره، وهو الملك الديان الدائم، بميكروب صغير أقلق مضجعكم، وشل منكم الأركان، وقتل منكم البنيان، وفرق جمعكم ، ومزق البلدان، فما استطاع أحد أن يدفع الضر عن نفسه، ولا يرفع البلاء عن نفسه، وإن كان ذو سلطان، فالكل حصاد، والكل رماد، والكل عدم، والكل ضعيف.. مسكين.. ذليل تحت قهري وقدري، وأنا الملك الجبار الذي لا يقهر، والقهار الذي لا يظلم، فكم تجبرتم في الأرض وأفسدتم في البر والبحر بما كسبت أيديكم.

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
حسين مُسلم يكتب.. الخلق بين إحساني وحلمي وسلطاني

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق