الإنسانية هي طوق نجاة علي عدم التعالي بالنفس البشرية، وإبعادها عن كل ما هو من شأنه ينمي مظاهر ونزاعات التعصب والطائفية، بالتعايش بين الشعوب، من مهجرين ووافدين بين الدول وبعضها البعض، وأن نحمل بداخلنا أحاسيس ومشاعر وروح ونفس، بصرف النظر عن أية اعتباراتٍ أخرى مثل الجنس، والعرق، واللون، والدين، والعنصر، والدولة، فالإنسانية مفهومٌ عالمي وشامل، ويحتملُ الكثيرَ من التعريفات والمعاني التي تصب كلها في مصلحة الإنسان، وتعبّر عن قيمته ككيانٍ حي له حقوقه وكرامته التي يجب أن لا تُداس ولا تطرد، فالإنسانية أعمق من مجرد كلمة عابرة، بل هي كلمة تختزل العديد من المعاني والتجارب والخبرات، وممكن تسميتها بدين آدمي، يَدعي الكائنات إلى المساواة وإلى النفوس الراقية غير الحاقدة.
ومفارقة غريبة كشف عنها فيروس كورونا، بأن العالم اصبح رافضا للإنسانية منذ عقود، ولاتوجد رحمة بين البشر، وكأن الله ارسله للبشرية، ليُنمي في أرواح شعوبها قيم الإنسانية من جديد، بعدما سادت الحروب والنزاعات المذهبية والطائفية، وأصبح العرب كمثال مسرحا لرفض بعضهم البعض، وصلت حد القطيعة بين الشعوب، وهذا يعد نذير شؤوم على الجميع، وليس فئة بعينها، ويذكر التاريخ مثلا الأم " تريزا " 1910 ـ 1097 الراهبة المقدونية الكاثوليكية كرست حياتها لرعاية المرضى والفقراء، حيث قامت بتأسيس دور رعاية للمرضى، مراكز للمكفوفين وكبار السن وذوي الإعاقة، ومستعمرة للجذام ، متخذة من الإنسانية دينا لها، فلم تفرق بين مسلم ومسيحي ويهودي وبوذي..الخ.
كان لزاما كتابة هذه المقدمة، لُنعّرف بقيم الإنسانية، والتي سبقتنا إليها جميعا مُسنة بلجيكية تدعى "سوزان هويلرتس" وتبلغ من العمر 90 عاماً، عندما ضربت أروع أمثلة الإيثار وإنكار الذات، وذلك بعد أن توفيت بسبب فيروس كورونا التاجي، بعد رفضها أن توضع لها أجهزة التنفس، حيث شعرت بأن الشباب وصغار السن هم فى حاجة إليها أكثر منها، وفقاً لموقع demotivateur.
وقال الموقع فى تقريره عن السيدة "إنه لا توجد كلمات قوية بما يكفي لوصف هذا العمل الشجاع، لقد كانت سوزان امرأة رائعة، كانت فى الأصل من بلدية لوبيك فى بلجيكا، وبينما يتأثر العالم بنقص أجهزة التنفس والتى تعد من المعدات الرئيسية خلال فترة النضال التى نعيشها ضد كوفيد - 19، توفيت السيدة بعد تنازلها عن الأجهزة للمرضى الأصغر سناً، إلى هنا أسدل الستار على حياة أمرأة أخذتها روح الإنسانية بتجرد كامل دون خوف أو وجل من الموت، منحية دينها جانبا، في الوقت الذي فاجأت الممثلة الكويتية حياة الفهد " 71 عاما " العالم بتصريحات تلفزيونية تتسم بالعنصرية البغيضة، والطريف أن المذيع أيدها في قولها.! ، وقالت الفهد" أطالب بترحيل العمال الأجانب، أو رميهم في الصحراء لمواجهة "عجز صحي في ضوء تفشي فيروس كورونا المستجد".
وأفضت الممثلة التي تُلقب بــ " فاتن حمامة الخليج ".!!، في تصريحات لبرنامج "أزمة وتعدي" الذي يذاع على فضائية كويتية: " أنا لست ضد الإنسانية لكننا ملينا "، وإذا كانت دولهم لا تريدهم، فلماذا يجب على الكويت أن تتولى رعايتهم. لا مستشفيات في الكويت تستوعب أعداد المرضى، لتكشف الفهد عن وجهها القبيح وإناءها الذي ينضح بعنصرية بغيضة، بتصريحات تحمل الغل والحقد والكره، لمن هم ليسوا من بني جلدتها.
نهاية ليست الفهد لوحدها فهناك صفاء الهاشم والبغيلي وغيرهم كثيرون يغردون على مواقع التواصل الاجتماعي يطالبون حكامهم من دول الخليج بترحيل كل العمالة من بلادهم، والعيب ليس عليهم، لكن العيب على حكوماتهم التي لا تدر لهم بالا، بدلا من سَن قانون يعاقب كل من يدعو للعنصرية، ويهدم قيم الإنسانية لمجرد أنه يعاني من عقد الدونية، ويحاكم فورا كما يفعل الغرب، الذي نعتبره جميعا كافرا مالم يدين بالدين الإسلامي.. شكرا الراحلة سوزان، ولا تحية ولا شكر لك حياة الفهد على موقفها المخزي.


















