الثلاثاء, 24 مارس 2020 05:27 مساءً 0 745 0
محمد أحمد عابدين يكتب: جدلية الخلق وتفاهة أسانيد الملحدين
محمد أحمد عابدين يكتب: جدلية الخلق وتفاهة أسانيد الملحدين
محمد أحمد عابدين يكتب: جدلية الخلق وتفاهة أسانيد الملحدين

من العدد الورقى

الأزهر أكد وجود 866 ملحدًا في مصر ومواقع رسمية تجاوزوا الـ 2.5 مليون

ابن الرواندى أشهر الملحدين في تاريخ الإسلام

 

الجدلية فرضتها تداعيات كثيرة، وأحداث أكثر، ووقائع شاملة كانت أشبه بعواصف شديدة على البر، وأعاصير على البحر، سحبت مياهه المالحة لتضعها في فم كل إنسان في مصر، وفي العالم العربي كله منذ سنة 2011، فيما تمت تسميته إجمالا بـ"الربيع العربي" في أكذوبة تاريخية، وخدعة كونية كبرى عاصفة، بمفردات حضارية ضخمة، كان من الممكن أن تعود بمصر والعرب إلى الوراء حتى عصر ركوب الجمال، والخيل والبغال والحمير.

لأننا قوم متسرعون حد التهور، سطحيون حد التفاهة، مترددون دون حتى هدم المعابد فوق الرؤوس، فقد جرين مع الموجة الضالة المضلة بحثًا عن هوية في الوقت الذي نقضي فيه أصلًا على الهوية، متسرعون.. وسطحيون، ومترددون إلا ما رحم ربي، على الوجه الآخر قلة تحاول أن تقرأ المشهد في هدوء دون تسرع، وعمق دون سطحيه، وثبات دون تردد.

إنها الفاجعة، الكارثة، الصدمة، الفضيحة، الزلزال، ولن اكتفي بأن أقول أن حجرًا حرك مياه البحيرة الراكدة، -المياه طبعًا دون البحيرة-.

بدأت الفاجعة، الكارثة الصادمة، -على الأقل بالنسبة لي- يوم أن تلقيت مكالمة من صديقي عزيز  يعمل باحثًا في مجال الانثروبولوجي، أي باحث في الدراسات الإنسانية، عندما أخبرني وسط المكالمة بأن علينا أن نتجه نحو تغيير جذري في حياتنا المعاصرة يبدأ بإنكار الأديان التي كانت السبب الرئيسى في تخلفنا، وضياعنا، وحضورنا في آخر ركب الحضارة الإنسانية، لأن الدين حقًا هو "أفيون الشعوب"، وبوضوح هو يرفض الإيمان بالله والنبي والقرآن، ولما سألته لماذا؟ تتحامل علي الدين كل هذا التحامل أجابني: لأن المشكلات المعاصرة كثيرة لا حل لها إلا بالانصراف عن الأديان، حيث أنها تعوق التقدم، قلت له: ما الحل؟ قال لدي ثلاثة حلول: أولها: أن يأتي الله -إذا كان موجودًا- بنبي آخر، وكتاب آخر، والحل الثاني: أن ينزل هو بنفسه -حاشا لله- كي يحل مشاكلنا، والحل الثالث: لا حاجة لنا به وبأنبيائه وكتبه، وحل مشاكلنا سيكون بأيدينا، قلت له: لدي فرض علمي نريد أن نتأكد من صحته أو عدم صحته، وهو في شكل سؤال والسؤال: لماذا لا نكون نحن العاجزين عن فهم كتاب الله، والقران الكريم فهمًا عصريًا يتناسب مع معطيات هذا الزمان؟ رفض صديقي هذا الفرض بشدة  فقلت له: ليس من المنهج العلمي أن ترفض فرضًا علميًا دون معالجته من أجل اثباته، أو نفيه، فوافق على التعامل المنهجى مع الفرض الذي فرض.

وبدأت في سرد مجموعة من الآيات القرآنية اهتز عرشه و ماد تحت أقدام كرسي الغرور، الذي جلس عليه، حيث كانت الصدمة الثقافية عندما أدركت أنه لا يعرف الآيات التي أقرأها عليه، ناهيك عن الإلمام بتفسيرها أو تأويل معانيها، أو معرفة مقاصدها، وهنا انقطع خيط الحوار، لأجد أمامي رافضًا للدين بلا سند سوى الأوهام التي عششت في رأسه، ورؤوس أمثاله.

إذن هناك في مصر ملحدون مهما اختلفت أنواعهم، وكذلك في البلاد العربية مثل النار التي تحت الهشيم، وتحتاج فقط لمن يكشف سطحها المستكن، وهو ما كان في 2011 عندما كشفت الأحداث ظلمًا ضمن ما كشفت مناورات أن هناك ملحدين وإلحادًا في مجتمعاتنا المصرية والعربية كان ينمو ببطء شديد.

حديثي مع هذا الصديق جرت وقائعه في عام 2003، إذن  نحن أمام  أسئلة متكررة عن الذات الإلهية وماهية الأديان "؟!، وهى أسئلة استفزازية  للمؤمنين، المقصود منها أن الملحدين يقولون إنه ليس هناك خلق للإنسان، وإنما مسألة خلق الله للإنسان تعني أن هناك من البشر أو الناس من صور للناس أن هناك خالقًا لهم أي أنها صورة ذهنية افترضها بعض الناس يسيطرون بها على غيرهم، ويحققون منافع لهم بتغييب من يصدقونهم، وهنا يعتقد بعض الملحدين بهذا وهي ورطة، ورطوا أنفسهم فيها حيث أنه لا يمكن أن يبقى البشر والعقل الجمعي ضعيفًا إلى هذا الحد بعد الاكتشافات العلمية فيما يسمى بالعلوم الطبيعية والتي اثبتت وجود قوة واحدة هي التي أوجدت الكون بامتداده، والخلق العاقل والخلق غير العاقل، والجماد وكل شيء والمؤمنون بالأديان السماوية( اليهودية والمسيحية والإسلام)، من كل أبناء آدم يؤمنون بهذه القوة الموجدة لكل شيء، والتي نادت كل الكتب السماوية بأن تلك القوة هي (الله)، مهما اختلفت العقائد بعد الإيمان بهذه القوة أولًا.

الأزهر أكد وجود 866 ملحدًا في مصر وتوالت الأعداد في الدول العربية حسب مؤسسات دينية في مختلف الدول، أما المتداول بين مؤسسات أخرى أنه في مصر وحدها وعقب تفجر أحداث 25 يناير 2011 ظهر حسب بعض المواقع الالكترونية أن عدد الملحدين قد وصل إلى 2.5 مليون مصري، زادوا بعد أحداث رابعة العدوية إلى 3 مليون، وبالطبع هي نسبة شديدة الخطورة تدين كثيرا من المؤسسات في السنوات الأربعين الماضية وربنا قبلها، حيث أن مؤسسات التعليم والإعلام ومنابر الأوقاف، وأروقة الكنائس ومؤسسة الأسرة كلهم جميعًا لم يؤدوا الواجب الأفضل للتنشئة والتربية علي الأصول العلمية السليمة والتي كان من نتيجتها زيادة أعداد الملحدين.

الجدير بالذكر أن الملحدين منتشرون في كل مؤسسات المجتمع، ويختفون خلف لافتات براقة تداري خلفها الكثيرين منهم، وعلينا أن نعلم أنهم متنوعون، فليس الكل يرفض وجود الله، وإنما هم على أنواع متعددة على النحو التالي:

الإلحاد الاعتقادي: وهو الاعتقاد بعدم وجود اله أوجد هذا الكون، ويسوق أصحابه الحجج التي تدل من وجه نظر أصحابها على هذا، أي أنه إلحاد واع ينبني على تفكير، وتجارب وخبرات، وأصحابه مارسوا فعل الإنكار، واقتنعوا به بعد أشواط طويلة من الدراسة.

الإلحاد الضمني: هو اعتقاد. لدي البعض بعدم وجود إله دون دراسة دقيقة ودون تفكير وبلا خبرات، وهو ليس فلسفيًا ولا اجتماعيًا، ولا تاريخيًا حيث لا يجد أصحابه شعورًا بالانتماء نحوي موجه للكون، وهؤلاء من أصحاب ذلك النوع، لا تجد لديهم ردودًا يستخدمون فيها العلوم الحديثة ولا المشاهدات التاريخية؟ وهم مرهقون في الجدال لأنه يترسخ بيقين، ولكن بلا قاعدة عقلية، وبمرور الوقت يصبح غير قابل للهدم.

الإلحاد الايجابي: وهو ذلك النوع من الإلحاد طلب القوى الذي يمتلك أصحابه حججًا من خلال قراءاتهم للفلسفة والأديان نفسها، وينظرون المؤمنين بكل المستويات وفي كل الدول و لديهم قدرة على المواجهة  وطرح الأسئلة الصعبة التي يعجز الكثيرون من المؤمنين حتى من أهل التخصص، واقصد بذلك على الأقل دارسي العقيدة والفلسفة الإسلامية والفلسفة العامة بشكل عام، ويدخلون في جوالات ينجحون فيها و يفشلون.

الإلحاد السلبي: ويسميه "انطوني سلو"، و"مايكل مارتن"، وغيرهما الإلحاد الضعيف اللين، وهو باختصار نوع لا يستطيع اتباعه مواجهه المؤمنين ولا الاستفادة من أصحاب الإلحاد الإيجابي، ولا يدخلون في معارك فكرية مع الآخر أيًا كان هذا الآخر؟

الأنواع كثيرة ولا أود الاستطراد فيها، لكني أود أن أذكر أنه في النصف الأول من القرن العشرين أي السنوات ما قبل 1950، كان هناك حوار يدور، بين كل أطياف المجتمع، وفي هذه السنوات ظهر كتابًا يعبر عن ديمقراطية الحوار، وما يدعو إليه الإسلام من التصرف عند الاختلاف والكتاب اسمه "لماذا أنا ملحد"؟ للكاتب إسماعيل أدهم، وكان الرد عليه بكتاب: "لماذا أنا مؤمن"؟ لـ"محمد فريد وجدي"، وفي القرن الثالث الهجري، كان هناك مثلًا "ابن الراوندي" الذي تنقل بين تيارات فكرية متعارضة،  فقد انتقل من المعتزلة بعد أن كان صاحب فكر شديدًا في الاعتزال إلي التشيع ثم إلى ترك الإسلام بعد لقائه بابي عيسى الوراق الذي كان ملحدًا.

فأنت هي ليس فقط إلى إنكار الإسلام إلى إنكار الأديان كلها، وأصبح أحد أهم "ألا أدرية" أو لا "أداريين"، أي لا أدري، وهو موقف يتوقف عند عدم الإنكار، وعدم القبول، ويكفي أنه بعد انتقاله من المعتزلة إلى الشيعة أنه قام بالرد على كتاب الجاحظ، والذي اسمه "فضيلة المعتزلة"، بكتاب الأسماء فضيحة المعتزلة.

وعلى هذا يجب أن ننتبه إلى أن الإلحاد قد يكون أحيانًا موقفا فرديًا ناتج عن تردد في نفس صاحبه أو في عقل صاحبه، وهذا أحد الملحدين الذي كان من رجال الأزهر سنوات طويلة  قطعت ساقه في حادثة، فصبر كثيرًا ثم فجر في النهاية في وجه الله، -معاذ الله- وسجل في كتابه ليس عتاب رقيقا لله سبحانه وتعالى، وإنما سجل مواجهة عنيفة سبب فيه الله، استغفر الله العظيم، وأًخِرج من هذا الدين، وكتابه منتشر على النت ويغري كثيرًا من الشباب لأن اللغة فيه مستقيمة جدًا، نحوًا وصرفًا وبلاغةً، كيفية إجادة اللغوية رائعة وتفكير يبدو منطقيًا وحجج تخدع الآخرين، مثل الكثير الموجود على النت، والمنتشر في الفضائيات، وللأسف الدولة اهملت خطر زيادة عدد الملحدين، أثق بأن كثيرين من أهل الاختصاص أصبحوا غير مؤهلين تمامًا لاستكمال المسيرة، وأنا أدعو جريدة "مع الناس نيوز"، التي تنشر هذا المقال أن تقيم ندوه على نطاق كبير، وبإعداد جيد اتحدث فيها عن تفاصيل مرعبة لم يتناولها هذا المقال. فاللهم ثبتنا على الإيمان بدينك.

محمد أحمد عابدين

** باحث في فقه وتاريخ الحركات الإسلامية

 
سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
محمد أحمد عابدين يكتب: جدلية الخلق وتفاهة أسانيد الملحدين

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق