الخميس, 26 ديسمبر 2019 10:11 صباحًا 0 823 0
الاستشاري "توتو" يُهدد مصر
الاستشاري

ماذا تعني كلمة استشاري لك حين تقرأها أو تسمعها؟ إنها تعني رجلاً أريباً، ما بين الخمسين والسبعين، ذو نظرة فاحصة ثاقبة نافذة ماحقة ساحقة، في أقل من جزء من ثانية يُلقي بنظرة خاطفة فيُخرج لنا العيب والخطأ ويشخص الداء ويصف الدواء.

إذا كان طبيبا استشاريا فسوف يصل إلى حقيقة المرض بمجرد نظرة للمريض، وإن كان سيطلب الأشعة والتحاليل كتحصيل حاصل، وإذا كان استشاريا معماريا فسوف يحدد العيوب في تنفيذ المبنى وهو يمر من على الطريق في سيارة مسرعة بسرعة جنونية، نعم فسوف يكفيه ربع نظرة بطرف عينه اليسرى ليحدد أين حدثت "الكروتة" في التنفيذ، وأن هناك انحرافا بقدر مليمتر واحد ونصف المليمتر في الجانب الأيمن، وهو واقف على الأرض سوف يحدد أن السطح الأعلى للمبنى به خطأ في منسوب الميل يقدر بنصف مليمتر.. أيوة أومال مِش استشاري ؟ ..ولكن رأيت استشاريين شفايفهم حمرا، براءة الأطفال وسذاجة الطلبة في أعينهم، ماذا حدث؟ قال مهندس موقع تنفيذي وسط الصنايعية والعمال والتراب والغبار ، المشكلة جاءت أساسا من أننا كمهندسين أصبحنا أكتر من الهم على القلب؟ ..وكيف حدث ذلك؟ أجاب مهندس الموقع : يوجد في جمهورية مصر العربية حاليا أكثر من 30 جامعة خاصة ومعاهد تُخرِّج مهندسين، ونقابة المهندسين أصبحت نقابة السبوبة، تضم أعدادا وتُحَصِل اشتراكات... تخيل إن خريجي الهندسة حاليا أكثر عددا من خريجي الحقوق والتجارة وأي كليات نظرية، وكل ذلك بفعل المعاهد والجامعات الخاصة.

يُضيف مهندس الموقع ونحن وقوفا بين لودر وفوركا، في موقع إنشائي، المسألة أصبحت عرض وطلب عدد خريجي الهندسة كثير، ومن يحصل على فرصة عمل الآن فذلك ببركة دعاء الوالدين، نصف المهندسين الآن يجلسون في البيوت وكثير يعمل بنصف أجر.

أضاف مهندس السايت "الموقع" ونحن نتحرك بعيدا من طريق لودر ضخم يجرف كما كبيرا من الرطش وكسر الحجارة والطوب، ولكن كيف ولماذا اعتمدت مكاتب الاستشاريين الهندسيين على مهندسين حديثي السن والتخرج؟ ..يجيب مهندس سايت آخر، لتوفير الفلوس، زمان كنا نشاهد الاستشاري القديم هو من يقوم بعمليات الاستلام وفحص الأعمال ويطلب التعديلات اللازمة إذا كانت هناك عيوب بكل سهولة ويسر وكان يعاون الاستشاري الأريب القديم صاحب الخبرة الكبيرة في العمل، كان يعاونه عددا من المنهدسين الأصغر والأقل خبرة، أما الآن فأصبح الاستشاريين - وللأسف أسماء كبيرة- يعتمدون على مهندسين خريجي التخرج لأنهم أقل تكلفة.

مدير ذونة، أي مدير موقع، مهندس قارب الخمسين من عمره ، عمل في الهيئة الهندسية للقوات المسلحة لنحو ٧سنوات، وعمل في عدة شركات مقاولات ينتقد بعنف اعتماد المكاتب الاستشارية على مهندسين صغار السن والخبرة ، ممتعضا يقول تخيل أنا جاي يستلم مني مهندس عمره ما اشتغل في موقع، وليست لديه خبرة ، يضيف، الاستشاري هو من يضع التصميم للمبنى والمشروع، ويحدد المواصفات، ثم يتابع ويتسلم التنفيذ والأعمال المنفذة خطوة خطوة وبند بند ، يتساءل مدير الذونة ساخرا ، كيف يراقبني أو يُراجع أعمالي من يعتبر بالنسبة لي طالبا.

يقول مهندس رابع أن كلمة استشاري تعني لي رجلا اشتغل مثل عمري، أما أن يكون الاستشاري ابن امبارح لسة فهذه مهزلة ومسخرة ...وفي النهاية يأتي الاستشاري حديث التخرج وحديث السن وقليل الخبرة ليتسلم أعمالا من مهندس موقع متمرمط في المونة والخرسانة ومنذ سنوات بيداحل وبيعافر مع العمال والصنايعية، "مرقع يعني" وبعد تشنج وعصبية ونرفزة من الاستشاري توتو النونو كوانوتو لأنه عادة وغالبا ما يكون مهزوزا لأنه يعلم أنه يتعامل مع من هو أكثر منه خبرة ومرتبا، وأنه لم يجد فرصة عمل في موقع ليكتسب الخبرة وللتعلم، فلجأ لمكتب استشاري ليعمل لديه بنصف أجر أو بدون .

ففي النهاية ورغم كل الحوارات والحبشتكنات مهندس الموقع "بيلبس" الاستشاري توتو الشغل بما فيه من أخطاء.

كان شكل ومنظر الاستشاري مثيرا للشفقة ، حين نزل السايت ليتسلم بياض محارة واجهة احدى العماير، ولكنه حب يعمل فيها "معلم مان" فأدخل نفسه في ورطة حين قفز من السقالة الخارجية "شدة الواجهة" إلى البلكونة وبدأ يراجع تخانة أي عرض أو سمك الكمر الداخلي ....وطلب المتر ..ليقيس العرض والسمك والارتفاع ..وهنا بدأ مهندس السايت يتنرفز فنادى على أحد عماله بلهجة معينة ليأتي بالمتر ..هنا أدركت أن الاستشاري سيدخل في فسحة ، م الآخر بدأت عملية تفسيح الزبون من مهندس الموقع ورجاله .. فقد جاء العامل بمتر "شريط القياس ممسوح العلامات" واتفضل يا معلم قس ما شئت، و بعد محاولات فاشلة ، طلب الاستشاري توتو مترا آخر شريطا صالحا للقياس وتحديد التخانات بالمليمتر ...دي الحكاية كبرت في دماغه ..مفيش مانع ..هاتوا يابني شريط زي الناس قالها مهندس السايت منفعلا، وجاء الشريط السليم واتفضل يا حضرة الاستشاري قيس ومتر براحتك وفرجنا.. وتعالى هنا طيب اتفضل ع السقالة ..طيب اطلع حطة " طابق-دور"..طيب انزل واطلع تاني يا هندسة ...خلاص الهندسة عرق وجاب مية ، لفتة ناحية الشمال من مهندس السايت المرقع ..وعليها وكان أحد العمال في طابق أعلى في السقالة قد قلب لوح خشب بلطي بما عليه من تراب وبقايا مونة وأسمنت لتقع فوق رأس الحشد. الجميع يعلمون كيف يتعاملون مع الأتربة والغبار المتطاير ، ولن يتأثروا به ، فهم غالبا "متعودين على كده" ، الاستشاري توتو هو الوحيد الذي سيستنشق كمية كبيرة من الغبار المتطاير، وسيسقط الغبار في قفاه وهو متعرق وجايب مية ، وبعدها سوف يزعق مهندس السايت في العامل الذي قلب لوح البلطي فوق رأس الجميع " انزل ياحمار ..ردمتنا ..مخصوم لك يوم " بعدها سوف يتأسف مهندس السايت ويعتذر للاستشاري توتو وهو يسحبه إلى مكان تيار هواء شديد وفي خلال ثواني يتظاهر فيها الاستشاري توتو بعدم التأثر وتمالك القوى والقوة سيدخل في نوبة العطس والكحة وبفعل غبار الأسمنت والمونة الذي سقط تحت ملابسه وهو متعرق وبعد تعرضه لتيار هواء بارد سوف يشعر بالأكلان في كل أنحاء جسده وسيكون مضطرا للخروج من الموقع بأقصى سرعة في حين مهندس السايت عمال يطلب منه ويشاور له طي

تعالى حضرتك بس شوف هنا طيب قيس التخانة دي..طيب بص على الجنب التاني ...وتوتو عمال يقول خلاص كفاية مش قادر ....الاستشاري توتو خطر على عملية البناء والتنمية.

بقلم عبدالعزيز صبره

رئيس التحرير التنفيذى

 

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
الاستشاري مصر

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق