الجمعة, 13 يناير 2023 05:48 مساءً 0 690 0
من وحي ليلة عاجزة بقلم منال رضوان
من وحي ليلة عاجزة بقلم منال رضوان

 

ألقيت بجسدي على سرير أسود، مستندة إلى يد ستينية هادئة، طمأنتني بابتسامة منهكة وشرعت في مناداة الطبيب، حالتي الصحية غير مستقرة، أعلم هذا قبل وقت طويل، ولم أكترث. 

لكنني كإجراء روتيني أخبرت الطبيب عن معاناتي إثر جلطتين سابقتين، شَخَص الشاب إليّ، وفي صمت حاول تغليف قلقه بابتسامة واجبة لزائرة جديدة إلى ردهات قسم الطوارىء في إحدى الليالي الخريفية.

فجأة.. رأيت معاناته واختناقه من اللون الرمادي الممزوج بلون الدماء وقد جثمت فوق صدره، كان عجيبًا أن أشاهد بقع الدماء بوضوح على رداء أزرق يرتديه..

لكن، كيف رأيت هذا ؟!

وجهت بصري صوب الحوائط الكثيرة التي تحتجزني، وجدتها تنظر إلى الجميع مبتسمة ساخرة؛ إثر محاولات دَءُوب من المرأة المتعبة إعادة اللون الأبيض إلى سابق عهده، لكنه أبدًا لا يعود.

 

كيف لي أن أشاهد هذا الكم من الأسنان المهشمة، وقد انغرست في جدران الحوائط؟

أنا لا أحلم؛ فأنا واعية لكل ما يدور حولي، غير أن الصور باتت أشد وضوحًا أو.... التباسًا ! لا أعرف.

كريات ملونة تسبح وسط بحر من اللون الأحمر... للحظة ابتسمت وأنا أتذكر كرة مطاطية كنت ألهو بها على شاطىء البحر قبل زمن بعيد، ما لبثت أن وجدت أمي تحملها بين يديها وتمنحني إياها عقب جلوسها إلى جواري.   

حاولتْ الإمساك بيدي المنشغلة باللهو بالكرة، وفي قلق تحسستْ أطراف أصابعي، تشبثتُ بها، وعبثًا حاولت إفلات أصابعها، كانت هي...

هي أمي، لقد شعرت بالبرودة ذاتها التي غلفت جسدها يوم أن أغمضت عيني مستندة إلى كتفها في ليلة أخيرة.

 - يجب عليكِ النوم لسويعات قليلة قبل إتمام مراسم توديعها غدًا؛ سيكون يومًا طويلًا......

عاودت عباراتهم القاسية اختراق أذني، لكنها تشبه أصداء لحفيف الشجر أمام منزلي القديم.

لقد تبينت الصوت وأعرف كيف أدققه، أتعجب، كيف غلفت كلماتهم أوراق الشجرة الكبيرة، كيف استصرخ فحيحهم اللون الأخضر، فحوله إلى اللون الرمادي الجاثم فوق صدر الطبيب الشاب ومساعده، بل والحوائط والردهات، كل ما حولي يصطبغ الآن باللون ذاته عدا كرتي الملونة بألوان طفولية ساذجة: 

اللون البرتقالي يعني المرح، والأصفر، الأصفر يا أمي يعني العناد أو التمسك بأشياء لا قيمة لها، أليس كذلك؟ 

أحب لون السماء الصافية في دائرة تظلل كرتي، لكن كيف أتيتِ إلى هنا ؟

- ابتسمتْ.. وفجأة.

انتفضتُ، وقد عاودتني رؤى غائمة، ملتبسة، خافتة. 

الفحص يظهر سلامة الأوعية من جلطة ثالثة، لكن يجب علينا المتابعة. 

والآن عن طريق المحاليل الطبية، سنحاول إعادة ضغط الدم إلى معدله.

كانت أمي أول من همّ بمغادرة الغرفة عقب الاطمئنان إلى عودتي، حاولتُ الاحتفاظ بالكرة، فأومأت إليّ أنني في إمكاني الحصول عليها، ربما في وقت لاحق.

لم تتكلم، لكنني سمعتها!

الآن، أعرف ما الذي حدث ..

بعض الصراخ المكتوم لزوجي، استطاع بالكاد أن يصل إلى أذني، التفتُّ طالبة إليه رؤية بعض الأشخاص، أخبرني أننا نوشك على الاقتراب من الفجر، إصراري جعله يحاول.

لكم شعرت بالاطمئنان عقب فشله في التواصل معهم !

أخبرته أن ذلك لم يعد مهمًا بعد الآن، وطلبت إليه ألا يفعل مجددًا.

 

عادت الأصوات إلى طبيعتها، وعدت إلى لمسات العجوز الطيبة، وقد ألقيت بجسدي على السرير الأسود مرة أخرى مستندة إلى يدها؛ لمنحي المحاليل اللازمة.

 

لساعتين عالقة أنا هنا، لا حيلة لي بين هذه الخثرات التي تود أن تفترس عروقي، وبين بقعات تفترش روحي كل حين، حتى تستنزف طاقتي على المقاومة، أو لعلها تحاول صدّ ذلك الاستنزاف؛ فتعمل على لفت انتباهي بوضع نقطة جديدة في حياتي، لانتهاء صفحات أو سطور أو كلمات أو حروف أو.. أشخاص. لا أعلم.

اعتدت الألم، ولم يعد يزعجني؛ فالألم تجربة قاسية لا يفوقها مرتبة سوى الخذلان.

 لم أتعرف إلى الموت بعد، وإن كان قريبًا جدًا هذه المرة؛ لكنني أدركت أن الخذلان هو الموت بعينه، كما تعلمت أنه كلما ارتفعت مراتب الألم، قل الصراخ والنحيب؛ ولذا فأنا أتألم كثيرًا، حتى بت أجيد التألم حد الصمت. 

ولكن ربما عليّ الآن أن أبتسم في وجه الطبيب ومساعده، كم بدت عليهما أمارات الارتياح، أخبرني الشاب أنه سيتابعني ويقرأ ما أكتب، وأخبرته لحظتها أنني سأكتب عن تجربتي تلك.

صرخ مازحًا: 

_ أي كتابة ستكتبين؟ ألا يمكنكِ النوم والراحة؟!

ابتسم، بعد أن منحته وعدي الذي صدقه، وابتسمت أنا أيضًا؛ لأنني أجيد الابتسام ..

سجل معنا أو سجل دخولك حتى تتمكن من تسجيل اعجابك بالخبر
من وحي ليلة عاجزة بقلم منال رضوان

محرر الخبر

1 admin
محرر

شارك وارسل تعليق